
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
في هذا اليوم، ٢٢ تشرين الثاني، يوم استقلال لبنان، أكتب وكأن أصابعي تراقص نبض الأرض نفسها، تلتقط دقات الحجر وتهمس مع الريح بما تبقّى من أول سرٍّ انبثق من الصمت. فالاستقلال لم يكن يومًا احتفالًا، بل لحظة ولادة تتجدّد مع كل شمس؛ لحظة انفجار النور في قلب العتمة، وصوت إرادة يتعالى من عمق الذات ليعلن أن هذه الأرض، وهذه الجماعة، لها روحها الخاصة، لا تُسلب ولا تُستعبد. إنه نهر خفي، يمر تحت صخور الماضي بصمت عنيد، يبحث عن منفذ للسماء، ويهذب صخره ببطء حتى يولّد الضوء. هناك تتشكل السيادة بأبهى معانيها: قدرة الجماعة على أن تكون هي هي، دون أن تنحني، ودون أن تُذوب في فلك الآخر، ودون أن يتحول حلمها بالحرية إلى مجرد أثر على صفحات التاريخ.
السيادة في القانون الدولي تُعرَّف بقدرة الدولة على ممارسة قرارها دون تدخل خارجي؛ لكن هذا التعريف، مهما بدا محكمًا، ينهار عند أول امتحان إن لم يكن الداخل متماسكًا، وإن لم يكن العقل الوطني قادرًا على حماية نفسه من عوامل التفكك. فالدولة التي لا تملك استقلال قرارها الاقتصادي، أو التي تُحاصَر مؤسساتها بالولاءات المتنافرة، قد ترفع علمًا، لكن سيادتها تتآكل في الظل. هنا تتجاوز السيادة معناها القانوني، لتصبح حالة وعي: لحظة إدراك أن الحرية ليست حدثًا، بل سيرورة طويلة من العتمة نحو الفهم، ومن الخوف نحو الإرادة، ومن رد الفعل نحو صناعة المعنى.
ولبنان، في هذا المشهد، مثالٌ صارخ على السيادة المعلّقة بين الحلم والحقيقة. رفع اللبنانيون علمهم عام 1943 كمن ينفض عنه غبار قرون، لكن اللحظة التي كان يُفترض أن تكون ولادة جديدة تحوّلت تدريجيًا إلى فسيفساء من المحاور والارتباطات. عاد الاستقلال ليُختبَر لا في مواجهة المحتل، بل في مواجهة الداخل نفسه: طائفية تورث جيلًا بعد جيل، اقتصاد ريعي ينهار من الداخل، دولة تضعف تحت ثقل الارتباطات الإقليمية والخارجية، وجيل جديد يرى أن السيادة لم تعد ذخيرة محفوظة في ذاكرة الأجداد، بل ضرورة يومية لبقاء الوطن نفسه.
ومع الزمن يتكشّف بعدٌ آخر للسيادة: البعد الزمني. فكل جيل يرى السيادة بصورة مختلفة:
جيل ما قبل 1943 رآها خلاصًا من الاستعمار.
جيل ما بعد الحرب رآها بحثًا عن توازن داخلي.
وجيل اليوم يراها معركة فوق أرض غير مرئية: أرض البيانات، والخوارزميات، والسرديات الرقمية، والفضاء السيبراني؛ حيث يمكن لدول أن تنام وتستيقظ داخل شاشة هاتف. السيادة هنا تُعاد صياغتها لا بالقوانين فقط، بل بالوعي الجديد للعالم وطبيعة القوة فيه.
غير أنّ التهديد الأكبر للسيادة ليس خارجيًا… بل داخلي.
حين يفقد المجتمع ثقته بنفسه، ينهار من الداخل دون حاجة لجيوش. يصبح الفساد جيشًا غير مرئي، والمحاصصة احتلالًا ناعمًا، والتبعية الداخلية أكثر فتكًا من أي نفوذ خارجي. فلا سيادة بلا مؤسسات شفافة تخضع الجميع للقانون، ولا استقلال بلا قضاء مستقل لا يُشترى، ولا دولة بلا إدارة لا تُدار بالولاء، بل بالكفاءة والحق.
ولأن العقل هو السطر الأول في نشيد السيادة، يصبح التعليم مشروعًا وطنيًا لا يُستغنى عنه: تعليم ينحت عقلًا ناقدًا، ويربط الجامعة بسوق العمل، ويحوّل البحث العلمي إلى محرّك إنتاج لا إلى رفاهية أكاديمية. من دون سيادة معرفية لا سيادة اقتصادية، ومن دون سيادة تكنولوجية لا سيادة سياسية، ومن دون سيادة ثقافية وفكرية لا سيادة على الإطلاق.
وإلى جانب الدولة، يبقى المجتمع المدني القلب النابض الذي يصحّح ويحتج ويراقب. والدولة التي تخاف مواطنيها، دولة تخاف أن ترى صورتها الحقيقية في المرآة. فالسيادة ليست سلطة، بل علاقة صحية بين الحاكم والمحكوم، بين القانون والمواطن، بين الحق والواجب.
وهكذا، يصبح الاستقلال فعلًا يوميًا، ويقظة دائمة، ومسؤولية مشتركة. يصبح حماية للبيانات كما للحدود، مقاومة للفساد كما للتدخل الخارجي، بناءً للثقافة كما للجيش، ومعركة ضد الجهل لا تقل عن أي معركة ضد الاحتلال. السيادة ليست تمنّيًا، بل ممارسة لا تنتهي.
وفي لحظة التأمل الأخيرة يتبيّن أن السيادة الحقيقية لا تُختزل بخط على الخريطة، ولا بعلم فوق مبنى رسمي؛ إنها روح تُسكَن، ووعي يُصاغ، وتاريخ يتجدّد، وقدرة على أن نقول “نحن” دون خوف، ودون أن نتنازل عن جوهرنا أمام ضغط أو إغراء.
وفي الخلاصة التي تصلح ميثاقًا للمستقبل:
إن السيادة ليست حدودًا ترسمها الخرائط، بل حدودًا يرسمها الوعي.
ومن يمتلك وعيه… يمتلك استقلاله.
ومن يمتلك استقلاله… يصنع غده.
