أوبرا الهيمنة العالمية: دونالد ترامب ومسرح البيت الأبيض

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​ستار البيت الأبيض يُرفع: في قاعة المراسم، حيث تتراقص الأعلام تحت الأضواء الكاشفة، لم يكن دونالد ترامب رئيساً فحسب، بل المخرج العظيم ونجم العرض الأوحد، حيث كل لقاء هو فصل في الأوبرا الكبرى للهيمنة العالمية. لقد تحولت الدبلوماسية العريقة إلى نص ارتجالي صريح، هدفه الوحيد هو تثبيت الهيمنة المطلقة عبر لغة رمزية لا تُخطئها العين.

لبنان: الهمسة التي زلزلت البروتوكول (فن الإعلان العارض)

​لم تبدأ فصول المسرحية بقرار رسمي، بل بإعلان عرضي غير مُلزم. إذ تناقلت التقارير اعتزام ترامب دعوة الرئيس اللبناني جوزيف عون لزيارة البيت الأبيض، مجرد تصريح شفوي عابر أطلقه بين أحاديث الصحفيين.
​هذا الإعلان الشفوي العارض وحده كان كافياً ليحوّل بيروت إلى مركز للتحليل الاستراتيجي. إنها طريقة ترامب في إدارة البروتوكول كـ عرض تمهيدي، حيث الكلمة المُرتجلة تحمل ثقلاً أكبر من وثيقة دبلوماسية رسمية، وتُستخدم لتعزيز موقعه كـ المانح الوحيد لفرص الظهور العالمية.

أوروبا الغربية: صراع القبضات في دائرة الضوء

​كانت أوروبا هي خشبة الاختبار الحقيقية لقوة ترامب الجسدية والرمزية:
​ماكرون (نزال النفوذ): لم تكن المصافحة سلاماً عابراً، بل نزالاً صامتاً، صراعاً على النفوذ والهيبة، تتراشق فيه النظرات الطويلة كسهام التحدي الرمزي. لقد كانت المصافحة اختباراً مباشراً لقوة اليد، يهدف إلى إثبات التفوق الجسدي أمام الكاميرات.
​ميركل (فعل التجاهل): أما مع المستشارة الألمانية، القائدة الأثيرة لأوروبا، فكانت اللغة مختلفة وأكثر برودة. في المكتب البيضاوي، تجاهل ترامب عمداً طلب ميركل المصافحة. لقد كان هذا التجاهل الرمزي، إلى جانب الضغط المتواصل على ألمانيا لـ “دفع ما عليها” للناتو، هو التعبير الأقوى عن رؤيته: الحلفاء هم مدينون يجب أن يتلقوا التأنيب، وليسوا شركاء متساوين.

أوكرانيا: دبلوماسية التقييم – الزي كرمز للقبول

​ثم جاء المشهد الأكثر تداولاً مع فولوديمير زيلينسكي، الذي ظهر لاحقاً ببدلة رسمية داكنة بعد سنوات من الظهور بالزي العسكري. التقط ترامب التحوّل بسرعة، وأمام عدسات الصحافة قال عبارته الشهيرة:
​«أعتقد أنه يبدو وسيمًا في هذه السترة… نعم، جميلة، إنها أنيقة جدًا، تعجبني.»
​لم تكن مجاملة عابرة؛ لقد كانت تثبيتاً لسلطة التقييم والقبول الشخصي. وكأن الهيبة تمر عبر موافقته على أناقة الزي تماماً كما تمر عبر الموافقة على حزم المساعدات العسكرية.
​في الحوار الذي تلا، جمع ترامب بين الإطراء والتهديد المغلّف بالمساعدة: “بلدك في مشكلة كبيرة… لديك فرصة للنجاة بفضل مساعدتنا… من دون معداتنا كانت الحرب ستنتهي خلال أسبوعين.” بدا المشهد درساً إضافياً: عند ترامب، حتى الإطراء سلاح.

الخصم المعشوق: الود المفرط وتهميش الاستخبارات

​مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، انهار جدار العداء التقليدي ليحل محله ود مفرط. كانت قمة هلسنكي (2018) هي المشهد الأهم، حيث اختار ترامب علناً تفضيل كلمة بوتين على تقارير وكالات بلاده الاستخباراتية: “لا أرى أي سبب يمنع روسيا من التدخل.”
​لقد كان هذا التصريح تفجيراً للدبلوماسية الداخلية، مؤكداً صورته كـ “الرئيس المتمرد” الذي يضع علاقته الشخصية فوق مصداقية أمنه القومي، ويستطيع وحده عقد “صفقة كبرى”. لقاءاتهما الخاصة كانت تعزيزاً آخر لسلطته الرمزية كـ “الرجل الذي يقرر مصائر العالم بنفسه”.

آسيا: الإطراء والمطرقة

​كيم جونغ أون: في سنغافورة، تحول التهديد النووي إلى دعاية تاريخية. المصافحة الودية والمبالغ فيها حولت كسر جليد عقود من التوتر إلى مشهد إعلامي لا يُنسى من أجل تجميل صورة قائد منعزل.
​شي جين بينغ: كانت الاستراتيجية ازدواجية: المديح الشخصي يقابله عقوبات اقتصادية. وبينما كان ترامب يشيد بشي جين بينغ “الصديق العظيم”، أطلق أشرس حرب تجارية. وفي مار إيه لاغو، أعلن عن قصف قاعدة جوية سورية أثناء تناول العشاء مع شي جين بينغ، مستعرضاً القوة والقيادة الفورية كرسالة ضمنية عن حسم الولايات المتحدة وقراراتها المفاجئة.

أفريقيا والشرق الأوسط: الهيمنة بتحريك اليد والكلمة

​مارس ترامب الهيمنة بتحكمه في المكان والوقت:
​أثناء غداء مع زعماء أفارقة، أشار بيده ورأسه ليُوقِف الرئيس الموريتاني مؤقتًا: «ربما يتعين علينا الإسراع قليلاً في الحديث، لأن لدينا جدولًا زمنيًا حافل.» ممارسة للسيطرة عبر إدارة الوقت.
​مع الرئيس الليبيري، كان التعليق مجاملة محرجة تحمل طابع السيطرة: «إنجليزيتك رائعة! أين تعلمتها؟» نظرة استعلائية تحمل طابع التملق.
​حتى مع الرئيس السوري أحمد الشرع، كانت السيطرة عبر الإطراء واللمسة الشخصية: «هذا أفضل عطر… والزجاجة الأخرى لزوجتك.»

قمة شرم الشيخ: الطرافة كسلاح دبلوماسي

​خلال قمة السلام، استعمل ترامب الطرافة كأداة سياسية لاختزال العلاقات وتحقيق الهيمنة الرمزية:
​ترامب (لرئيس وزراء العراق): «لديك الكثير من النفط، أليس كذلك؟ هذا يجعلنا أصدقاء دائمين.»
​هنا، لم تكن الطرافة مجرد مزاح، بل اختزالٌ بارع وفظ للعلاقة الدولية؛ حيث يُلخّص تحالفاً كاملاً بعنصر مادي (النفط) يؤكد المنفعة الذاتية الفورية فوق كل اعتبار إستراتيجي أو قيمي.

مسرح العالم والهيمنة الدائمة (الفصل الختامي)

​من قمم آسيا إلى أروقة البيت الأبيض، لم تكن لقاءات ترامب مجرد محادثات رسمية، بل فصولاً متقنة في أوبرا ضخمة. المصافحة كانت موسيقى الافتتاح، والتعليق الساخر هو نوتة الختام. لقد أصبح البيت الأبيض قاعة العرض العالمية، حيث الهيمنة هي المقطوعة الدائمة، والدبلوماسية هي مجرد كلمات ثانوية تخدم لحن السيطرة المطلق.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top