بقلم جوزاف وهبه

ليس الأوّل، ولن يكون الآخر بالتأكيد.بات معروفاً أّنّ اليد الإسرائيليّة طويلة، وأنّ حزب الله (بقياداته السياسيّة والعسكريّة، العلنيّة والسرّية) مكشوفة “حتّى النخاع الشوكي” من قبل أجهزة الموساد، بالتكافل والتضامن مع “سي أي آي” الأميركان، الذين كلّما وضعوا “جائزة” على مسؤول كبير أو خطير في أيّ بقعة من الشرق الأوسط، تكون من حظّ رئيس الحكومة نتانياهو الذي أدّى ويؤدّي دوراً غير مسبوق في عالم التجسّس والإغتيالات والتكنولوجيا الحديثة!
“أبو علي الطبطبائي”، رغم الإلتباس الحاصل حول إسمه الإيراني – اللبناني، كان قائداً في الظلّ.بمعنى أنّ أقصى الإحتياطات الأمنيّة الممكنة تحيط بتحرّكاته، بمكان إقامته، بمرافقيه والعارفين بدوره ومهامه وتنقّلاته، ولكنّ كلّ هذا التحوّل إلى السرّية، كما راج مؤخّراً حول إنتقال القيادات العسكريّة الجديدة إلى ما يمكن تسميته “تحت سابع أرض”، لم ينفع مع المستوى التكنولوجي الذي وصلت إليه الإستخبارات الإسرائيليّة، أي أنّنا كلّما “توهّمنا” إحتمال تقدّمنا خطوة ذكيّة إلى الأمام، نكتشف أنّ “العدوّ الغاشم” قد سبقنا بخطوات وخطوات “ضوئيّة”!
فما العمل؟
لا خيارات متعدّدة أمامنا.وكلّ سرديّات التعافي العسكري والمالي، أو كسب الوقت بانتظار تحوّلات إقليميّة ممكنة (ومنها التفاهم الأميركي – الإيراني)، أو الإتّكال على “الشرق” الذي دعانا للتوجّه إليه، ذات حقبة، الأمين العام الراحل حسن نصرالله، إنّما ثبت بالملموس أنّها مجرّد “خدع بصريّة سمعيّة” لا تغيّر شيئاً في واقع الحال الذي يحمل عنواناً دامياً واحداً:النزف البشري في جسم الحزب (الإغتيالات تجاوزت الكادرات العسكريّة إلى تركيبة الحزب المدنيّة، من مدراء المدراس إلى رؤساء وأعضاء المجالس البلديّة، وذلك بعد المهندسين واليد العاملة..):
نظريّة التعافي العسكري والمالي، يبدو أنّها من صُنع الإعلام الإسرائيلي – الأميركي، ليس إلّا.وصحيح أنّ الحزب قد حاول الإستفادة منها لبثّ الرجاء والأمل في بيئته الحاضنة، ولمحاولة إعادة التوازن إلى اللعبة السياسيّة المحلّية، لكنّ ذلك بات “التبرير الشرعي” الذي يعتمد عليه الجيش الإسرائيلي، لمزيد من الإغتيالات، ومزيد من القصف في الجنوب والضاحية والبقاع، ومزيد من التوغّل في الأراضي والسيادة اللبنانيّة!
“كسب الوقت” هو أيضاً لصالح نتانياهو.مزيد من الدمار، وبالتالي مزيد من التصعيد في الشروط:من لقاءات الميكانيزم، إلى إضافة مدنيين على الإجتماعات الخماسيّة، إلى التفاوض غير المباشر، إلى التفاوض المباشر تحت الرعاية الأميركيّة، أيّا كانت تسميات هذه الرعاية التي دعا إليها مؤخّراً رئيس الجمهوريّة جوزاف عون في خطاب الإستقلال 82!
أمّا عن التوجّه شرقاً، فحدّث ولا حرج:
روسيّا / بوتين غارقة حتّى أذنيها في حرب أوكرانيا.المستنقع عميق، وحبل النجاة في قبضة الحاكم الآحادي للعالم.الرئيس ترامب يدير اللعبة الكونيّة على طريقته:تارةّ يسخر من بدلة زيلينسكي، وطوراً يؤجّل لقاءه الرئيس الروسي بحجّة “عدم جدّيته”.تارة يزوّد الجيش الأوكراني بصواريخ تهزّ العمق الروسي، وطوراً يهدّد أوروبا بالكفّ عن مدّ الحرب الطويلة بالأسلحة الأميركيّة المناسبة.هو ينتظر تعب “المتحاربَين” عند عتبة البيت الأبيض..فهل يمكن لنا – نحن – أن ننتظر “جلد الدبّ” من صقيع موسكو القارص؟
والصين لا تختلف كثيراً عن واقع حال “القيصر”.وإذا كانت لغة الحروب لا تعنيها، رغم المظاهر العسكريّة والإستعراضات الأخيرة برّاً وجوّاً وبحراً، فإنّ لغة المصالح الإقتصاديّة تبقى فوق كلّ الإعتبارات.ومَن يعرف في حجم التبادل التجاري ما بين الإقتصادين العملاقين (الأميركي والصيني) لا بدّ أن يستنتج أنّ لا وقت لدى بكين للنظر في حسابات وادّعاءات نصرالله ونعيم قاسم ومحمود قمّاطي ومحمد رعد.بعد اللقاء الأخير ما بين ترامب وشي جي بينغ، غاب البلد الصغير الحالم بالشرق المخلّص عن مائدة الرجلين، كما قد يغيب عن خارطة إهتمام العالم!
كلّ الدروب السياسيّة، حتّى الساعة، مقفلة.وحدها أبواب الموت المجّاني مشرّعة..العدو من أمامنا..والمفاوضات من ورائنا:فإلى متى الإنتظار القاتل؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top