الحبّ: نغمة القلب التي تكشف سرّ الوجود المؤجّل

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

ليس الحبّ مجرد شعور عابر، ولا تجربة تختصرها الرسائل الرقمية أو إشعارات الهواتف.
الحبّ هو نافذة الروح على الوجود، ومسافة القلب إلى ذاته وإلى الآخر.
في عالم يركض أسرع من دقّات قلوبنا، يظلّ الحبّ بوصلتنا الوجودية التي تعيد ترتيب الكون داخلنا، وتضيء الطريق نحو ما هو أصيل فينا.
هو لحظة استيقاظ، حين نلتقي الآخر ونرى أنفسنا في عينيه، فنفهم أن الحياة ليست مكتملة إلا بانفتاح القلب، وبقدرة الإنسان على المحبة بصدق ووعي، بلا خوف، بلا تملّك، وكأن كل لقاء هو اكتشاف جديد لمفارقات الوجود وجماله.

الحبّ: مرآة الوعي وسيمفونية الوجود…

في زمن تُختزَل فيه المشاعر إلى إشعارٍ بارد على شاشة، يولد الحبّ كالضرورة القصوى… لا كترف وجداني.
إنه ليست مجرّد رعشةٍ عابرة، بل سيمفونية الوجود التي نكتشف أننا لسنا ملحنيها، بل مجرد نوتاتٍ تعبرها.
هو ذلك الصمت الذي يتسع للكون كله، وذلك الكلام الذي يعجز عن وصف نبضة واحدة.

الحبّ هو البحر الذي ننزل إليه بأوعية قلوبنا:
منّا من يملأ كأساً، ومنّا من يغوص ليصبح لؤلؤة.
كلاهما يحبّ، لكن الأعماق وحدها تُعيد تشكيل الغوّاص.

وفي الحبّ نعود أطفالاً…
كأن الطفل الذي كنّاه يمسك بالنجمة للمرة الأولى:
يداه صغيرتان، لكن قلبه يتسع للسماء كلها.
إنه البراءة التي نستعيدها بعد أن أنهكتنا صلابة الأيام.

الحبّ شمس لا تُغيّبها السحب، بل تتعلّم العيون رؤيتها من خلال المطر.
إنه ذلك اليقين الذي ينبت في تربة الشك، وتلك الهشاشة التي تصبح، على نحوٍ عجيب، أقوى من الجبال.
وفيه نصبح نهرين: نحافظ على مسارنا، لكننا نلتقي في المحيط…
لا يذوب أحدنا في الآخر، بل نكتشف أن مصيرنا واحد.

الحبّ ليس صفقة، بل قوّة تحرّر.
كما يذكّرنا إريك فروم: إنه فنٌّ يمتحن قدرتنا على العناية والاحترام والمعرفة.
وفي هذا الاتّساع، لا نُلغى بل نتكامل، ولا نختفي بل نتجلّى.
إنه وعيٌ جديد يُولد في قلبين يقرّران أن يتبادلا الضعف كأعلى درجات الشجاعة.

ويأتي صوت جبران خليل جبران من خلف ستارة الحكمة:
“قفوا معًا… ولكن لا تقتربوا كثيراً.”
فالمسافة بين قلبين ليست فجوة، بل هواءٌ يتنفّس فيه الحبّ كي يحيا.
أما شيكسبير فيشهد من بعيد أن الحبّ الحقيقي لا يتغيّر عندما يجد تغييراً في الآخر،
بل يظلّ منارة ثابتة لا تنكسر أمام الزوابع.

وفي أعمق طبقات الروح، حيث تعبر لغة الرومي، يتحوّل الحبّ إلى عشقٍ…
العشق الذي هو سلطان يهدم قلاع الخوف،
والحالة الكونية التي نعود إليها بعد أن نكون قد تهنا في صخب العالم.
هناك، في تلك اللحظة الصوفية، يتساقط القناع، وتتّسع العين الداخلية لتبصر الجمال بلا وساطة.
ولذلك كان أوغسطين يهمس:
“أحبب… كي تعرف. فما الحبّ إلا مفتاح الحقيقة.”

الحبّ هو أن ترى في عيني الآخر كل الأرواح التي التقت فيك،
وأن تسمع في صوته كل الأغنيات التي حلمت بها.
هو الوطن الذي نحمله في داخلنا،
والسفر الذي لا ينتهي.

الحبّ: العودة من التشتّت إلى اكتمال الكينونة

في النهاية، الحبّ ليس قصيدة تُكتب، ولا وعدًا يُقال.
هو حالة وجودية فلسفية، لحظة يتساوى فيها جلال الصمت مع عمق الكلمة، ويتوقف الزمن قليلًا ليشهد ولادة إنسانٍ جديد،
إنسانًا وجد نفسه في الآخر، ووطنه في قلبه، ومساحة حريته في احترامه للآخر.
الحبّ هو القدرة على منح الذات،
النغمة الكونية الجامعة،
والبيت الذي لا تُغلق أبوابه…
لأن حدوده ليست على الأرض، بل في القلب.

الحبّ ليس ملكًا، ولا عقدًا، ولا ترتيبًا في دفتر الزمان، بل نغمةً كونية تتسرب إلى القلب وتوقظه من النسيان.
هو الوطن الذي لا يُغلق، والميناء الذي نرسو فيه بلا خوف، والقوس الذي يجمع ضوءنا وظلالنا في صورة واحدة متكاملة،
حيث نصير، أخيرًا، نحن أنفسنا… مع الآخر، وبالحب، وبالوعي العميق للوجود.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top