ثلاثية النهوض اللبناني: رؤية البابا لالاون الرابع عشر للسلام والعدالة والرسالة

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

حين تصبح المغادرة وثيقة رؤية
​في لحظة تاريخية مشبعة بالتصدّعات السياسية والاقتصادية والروحية، لم يكن خروج قداسة البابا لاون من لبنان مجرد بروتوكول لضيف يغادر، بل كان إطلاقًا لوثيقة رؤية وصلاة جماعية على الأراضي اللبنانية. لقد جاءت كلماته محمّلة بنداء إلى الثبات، وإلى عدم الخوف، وإلى تذكير اللبنانيين بأن شهادتهم للإيمان لا تُقاس بالقوّة السياسية، بل بالقدرة على حمل نور الرجاء وسط عالم مضطرب.
​هذا المقال يجمع الخطاب البابوي كاملاً مع قراءة تحليلية معمقة، ليظهر المسار الذي رسمه البابا للبنان والمنطقة، وهو مسار يضع العدالة كعنوان أسمى للمرحلة، ويعيد تعريف لبنان كرسالة حيّة للعيش المشترك.

أولًا: نصّ خطاب قداسة البابا لاون من مطار رفيق الحريري الدولي
​العنوان: أحمل معي الألم والعطش إلى الحقيقة والعدالة، ولبَلَدِكم بأكمله

السَّيِّد الرَّئيس،
دولة رئيس مجلس الوزراء ودولة رئيس مجلس النواب،
أصحاب الغبطة والإخوة الأساقفة،
السلطات المدنية والدينية،
الإخوة والأخوات جميعًا!
المغادرة أصعب من الوصول كنّا معًا، وفي لبنان أن نكونَ معا هو أمرٌ مُعدٍ . وجدتُ هنا شعبًا لا يحبُّ العَزلَةَ بل اللقاء. فإن كانَ الوصولُ يعني الدخول برفق في ثقافتِكم ، فإنَّ مغادرة هذه الأرض تعني أن أحملكم في قلبي. نحن لا نَفتَرِق إذًا، بل بعدما التقينا سنمضي قُدُمًا معًا. ونأمل أن نُشرِكَ في هذا الرّوح من الأخوة والالتزام بالسّلام، كلَّ الشَّرِقِ الأوسط، حتّى الذين يعتبرون أنفسهم اليوم أعداء.
لذا أشكرُ لكم الأيَّامَ التي قضَيتُها بينكم، ويسرني أنّني تمكّنتُ من تحقيق رغبة سَلَفِي الحبيب، البابا فرنسيس، الذي كان يتمنَّى كثيرًا أن يكون هنا. إنّه في الحقيقة موجودٌ معنا، ويسيرُ معنا مع شهودٍ آخرين للإنجيل الذين ينتظروننا في عناق الله الأبدي : نحن ورثةٌ لِما آمنوا به، ورثةُ الإيمان والرّجاءِ والمحبّة التي ملأتهم.
رأيتُ الإكرام الكبير الذي يَخُصُّ به شعبُكم سيّدتنا مريم العذراء، العزيزة على المسيحيين والمسلمين معًا . وصلَّيتُ عند ضريح القديس شربل، فأدركتُ الجذور الرّوحيّة العميقة لهذا البلد : الرّحِيقُ الطَّيِّبُ فى تاريخكم يَسنِدُ المسيرة الصعبة نحو المستقبل ! أثَّرَت في زيارتي القصيرة إلى مرفأ بيروت، حيثُ دَمَّرَ الانفجارُ ليس المكانَ فحسب، بل حياة الكثيرين.
صلَّيتُ من أجل جميع الضحايا، وأحمل معي الألم والعطش إلى الحقيقة والعدالة للعائلات الكثيرة، ولبَلَدِكم بأكمله.
التقيتُ في هذهِ الأيام القليلة وجوهًا كثيرة وصافحت أيدِيًا عديدة، مُستَمِدًّا من هذا الاتصال الجسدي والداخلي طاقة من الرّجاء. أنتم أقوياء مِثل أشجار الأرز، أشجار جبالكم الجميلة، وممتلئون بالثَّمار كالزيتون الذي ينمو في السهول، وفي الجنوب وبالقُرب من البحر . أُحيِي جميع مناطِقِ لبنان التي لم أتمكَّن من زيارتها : طرابلس والشمال، والبقاع والجنوب، الذي يعيش بصورة خاصّةٍ حالة من الصراع وعدم الاستقرار أعانقُ الجميع وأرسل إلى الجميع أماني بالسّلام.
وأُطلق أيضًا نداءً من كل قلبي : لِتَتَوَقَّف الهجمات والأعمال العدائية. ولا يظِنَّ أحد بعد الآن أنّ القتال المسلّحَ يَجلِبُ أَيَّةَ فائِدَة. فالأسلحة تقتل، أمّا التفاوض والوساطة والحوارُ فتَبني. لِنَختَر جميعًا السّلامَ وليَكُن السّلامُ طريقنا، لا هدفًا فقط !
لِنَتَذَكَّرُ ما قاله لكم القدّيس البابا يوحنا بولس الثاني : لبنانُ َأكثرُ من بلد إنّه رسالة ! لِنَتَعلَّمْ أن نعمل معا ونرجو معًا لِيَتَحَقَّق ذلك.
بارك الله شعب ،لبنان، وجميعكم، والشرق الأوسط، وكلَّ البشريّة ! شكرًا وإلى اللقاء !

​ثانيًا: قراءة تحليلية في شهادة الوداع البابوية: الخروج بوثيقة لا بروتوكول

​1. «المغادرة أصعب من الوصول»
​هي ليست مجرّد جملة وجدانية، بل تجريد للزيارة من كل بروتوكول بارد. هنا، يخلع البابا رداء الضيف الرسمي ليرتدي ثوب الأب الذي ارتبط مصيره بشريان هذا البلد النازف. إنها شهادة أب لا تُقال إلا حين يكون اللقاء اختراقاً حقيقياً لجدار الشكلانية، واعترافاً بأن ما وجده أغلى مما تركه خلفه.

​2. «كنّا معًا، وفي لبنان أن نكونَ معًا هو أمرٌ مُعدٍ»
​هذا هو جوهر التركيبة اللبنانية المعجزة؛ قدرة هذا البلد على توليد اللقاء في خضم الانقسام. يختار البابا كلمة “مُعدٍ” بعبقرية، ليصف الوحدة كقوة انتشار لا تُقاوَم، كفيروس إيجابي ينفث في المنطقة روحاً مضادة لعدوى الانغلاق والحقد التاريخي. إنه تعريف جديد لمناعة لبنان.

​3. «وجدتُ هنا شعبًا لا يحب العزلة بل اللقاء»
​في هذا القول، تأكيد على الهوية اللبنانية المخلوعة من قدرها الجغرافي، والتي تتجه بطبيعتها نحو الانفتاح الرسالي. هذا الوصف، في خضم الأزمة، ليس مجاملة، بل هو تكليف إلهي يعيد تذكير هذا الشعب بأن وظيفته الحضارية تكمن في كونه منارة، لا حصناً معزولاً.

​4. «فإن كان الوصول يعني الدخول برفق في ثقافتكم، فإن مغادرة هذه الأرض تعني أن أحملَكم في قلبي»
​صيغة تجمع بين الاحترام السامي والعاطفة الثقيلة. فـ “الدخول برفق” اعتراف بحساسية النسيج اللبناني الهش والممزق، أما الحمل في القلب، فهو يعني أن مأساة لبنان أصبحت جزءاً من ضمير الكنيسة العالمية، وهذا الحمل هو تعويض لاهوتي عن عجز السياسة.

​5. «نحن لا نفترق إذًا، بل بعدما التقينا سنمضي قدُمًا معًا»
​جملة تقطع الحبل السري مع مفهوم الزيارة العابرة. إنها تعني أن الفاتيكان يعلن التزامه بـ “مسار مرافقة وجودية” للبنان، رافضاً أن يكون وجوده مجرد موسم عابر، بل هو ضامن دائم لاستمرار هذا المسار مهما طال زمن العاصفة.

​6. «ونأمل أن نُشرك في هذا الروح… كل الشرق الأوسط، حتى الذين يعتبرون أنفسهم اليوم أعداء»
​هذه هي العبارة الصارخة التي تخترق أسوار السياسة. إنها رسالة مباشرة إلى الأطراف المتصارعة والإقليمية: البابا يرفض أن تكون العداوة قدراً، ويوسّع دائرة الرجاء إلى محيط الرفض والكراهية. هنا، تصبح الأخوّة إمكانية لا مجرد حلم.

​7. «أشكر لكم الأيام التي قضيتها بينكم»
​شكر موجز يمهد الأرضية لـ البيان الجوهري الذي سيلي.

​8. «ويسرّني أنني تمكنت من تحقيق رغبة سلفي الحبيب، البابا فرنسيس»
​دلالة على عمق الاستمرارية اللاهوتية والفعلية. البابا لاون يؤكد أن زيارته ليست وليدة اللحظة، بل هي تتويج لإرادة فاتيكانية راسخة، تؤكد أن قضية لبنان متأصلة في خطط الكنيسة منذ سنوات خلت.

​9. «إنه في الحقيقة موجود معنا»
​في هذا توظيف لاهوتي شفيف وعاطفي؛ فالحضور هنا ليس مجرد ذكرى، بل هو مرافقة سماوية ووجدانية. القديسون والأحبة يشاركون الكنيسة في هذا المسار، مما يمنح الزيارة بعداً أعمق من لقاء الأرض.

​10. «وصلّيتُ عند ضريح القديس شربل… فأدركتُ الجذور الروحية العميقة لهذا البلد»
​تخطت هذه اللحظة حدود الرمزية الدينية إلى الإدراك الوجودي. البابا يرى في شربل ليس رمزاً محلياً، بل جسر عبور روحي يوحّد الكنيسة ويفتح قنوات التواصل. إنه يؤكد أن مفتاح فهم لبنان يكمن في جذوره الروحية، لا في أسواق صراعاته السياسية.

​11. «الرحيق الطيّب في تاريخكم يَسند المسيرة الصعبة نحو المستقبل»
​هذه الجملة هي بيان استراتيجية روحية. إن “رحيق التاريخ” هو التراث العظيم والقيم الراسخة، وهو وحده الذي يمتلك القوة لـ “سند المسيرة الصعبة” للأزمة. البابا هنا يوجه اللبنانيين إلى مصدر قوتهم الحقيقي: لا خلاص إلا بالعودة إلى الهوية الروحية، وترك منطق النزاع.

​12. «أثَّرَت في زيارتي القصيرة إلى مرفأ بيروت»
​دخول صريح ومؤلم إلى الجرح القومي المفتوح. المرفأ هنا ليس موقعاً جغرافياً، بل هو أيقونة للألم الجماعي، رمز للخسارة التي لا تعوض، وهو بمثابة “جراح القيامة” في جسد الأمة اللبنانية.

​13. «أحمل معي الألم والعطش إلى الحقيقة والعدالة… ولبَلَدِكم بأكمله»
​هذا هو أعنف وأقوى سطر سياسي وأخلاقي. البابا هنا يتجاوز حدود التعزية ليتحول إلى مطالب رسمي بالعدالة أمام الضمير العالمي. وهو يضع الفاتيكان في موقع الشاهد والمدافع عن كشف الحقيقة، معتبراً أن القضية انفجار وطني يتجاوز الأفراد ليشمل “البلد بأكمله”.

​14. «أنتم أقوياء مثل أشجار الأرز… وممتلئون بالثمار كالزيتون»
​ربط بليغ بين الإنسان اللبناني والرموز الأزلية. البابا يعيد تذكيرهم بأن القوة الحقيقية تكمن في ثبات الأرز وخصوبة الزيتون، أي في القوة الروحية والطاقة الإنتاجية، لا في متغيرات السلاح والسلطة.

​15. «أطلق أيضًا نداء من كل قلبي: لتتوقف الهجمات والأعمال العدائية»
​نداء صارخ، موجه بشكل خاص نحو مناطق التوتر، يتماهى مع إدراك الفاتيكان أن استمرار الصراع يشكل خطراً وجودياً حقيقياً يهدد بقاء الكيان اللبناني.

​16. «ولا يظن أحد بعد الآن أن القتال المسلح يجلب أي فائدة»
​هنا يضع البابا بياناً مزمجراً يسقط شرعية السلاح. هذه الجملة جريئة لأنها تضرب الجذور الفكرية للحرب، معلنة أن منطق القوة العسكرية قد سقط نهائياً كوسيلة لتحقيق أي غاية بناءة.

​17. «الأسلحة تقتل، أما التفاوض والحوار فتبني»
​إنها خلاصة الرؤية الرسالية التي لا تقبل المساومة. المعادلة البابوية حاسمة: الأسلحة = الموت، بينما التفاوض والحوار = البناء. لا يمكن لهذين المسارين أن يلتقيا. لا طريق للسلام إلا باختيار طريق الحوار كسبيل وحيد.

​18. «لنتذكر ما قاله لكم القديس البابا يوحنا بولس الثاني: لبنان أكثر من بلد، إنه رسالة»
​إعادة هذه العبارة هي تثبيت لاهوتي للوظيفة الوجودية للبنان. البابا يعيد رفع هذا البلد فوق مستوى الدولة العادية، جاعلاً منه منارة قيمية ونموذجاً للتعددية والعيش المشترك للعالم بأسره.

​19. «بارك الله شعب لبنان… وكل البشريّة»
​الخاتمة تحمل روح الشمول الأبوي، إذ تبدأ البركة من لبنان وتمتد إلى البشرية، إعلاناً أن مأساة لبنان ورسالته ليستا معزولتين، بل هما جزء من الضمير الكوني.

البيان المصيري: لبنان بين الجرح والرسالة

لم يكن وداع البابا لاون طيًّا لصفحة، بل لحظة كشف عن خريطة طريق إلزامية؛ وثيقة متجذرة في الوجدان، تُطلِق لبنان نحو مصيره. لقد اختزل قداسته جوهر رؤية الفاتيكان في خمس ركائز لا تقبل التأويل، تتقاطع في ثلاثية محورية: اللقاء، العدالة، الرسالة، لتشكّل البينة الواضحة للنهوض.

تحوّل لبنان إلى جرح روحي عميق ينزف في قلب الكنيسة الجامعة، فارضًا نفسه كـ قضية وجودية على الضمير الكوني. القوة الحقيقية لهذا البلد ليست كامنة في فائض السلاح أو تقلبات السياسة، بل في صلابة جذوره الروحية وتراثه الأبدي.

من هنا، تبرز حتمية اللقاء، الروح الحقيقية لهذا الوطن، الترياق الذي يرفض الانعزال ويحوّل الاختلاف إلى قوة. الوحدة ليست خيارًا، بل عدوى إيجابية تعيد للشرق الأوسط أمل العيش المشترك.

وفي مواجهة هذا الوجع، تأتي العدالة؛ ليس مجرد تعزية عابرة، بل مطلب أخلاقي ورسولي لا يمكن التنازل عنه. إن “العطش إلى الحقيقة”، خصوصًا في ملفات كالانفجار في المرفأ، هو التزام سياسي يرفع الفاتيكان الحق فوق السياسة، ويجعل من العدالة ضمانة وجودية للحياة والسلم الداخلي.

أما الرسالة، فهي التحدّي الأعظم، التكليف الروحي المصيري: دعوة للبنان ليستمد قوته من جذوره، ليكون نموذجًا حيًّا للعيش المشترك، لا رهين النزاعات ولا أسير المواقف العابرة. فالسلام ليس شعارًا، بل التزام سياسي فعّال، تتجسد قوته في رفض منطق السلاح كأداة للتغيير واختيار الحوار كـ”الطريق الوحيد”.

لبنان، الراسخ بثبات أرز جباله، مدعو اليوم للنهوض: ليس بانتظار معجزة، بل بالانتقال الجذري من منطق القتال المسلّح إلى منطق الحوار البنّاء. ليس بالتنازع على السلطة، بل بالعطش الأسمى للحقيقة والعدالة. بهذا التحول، يستطيع وطننا أن يكون الرسالة التي حلم بها آباؤنا وكتب له التاريخ أن تظل حيّة في قلب الشرق.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top