
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
هل تعرفون كم هو مُتعَبٌ الناخبُ اللبناني؟ ليس التعب الذي يُنهِكه في طوابير الذل المعيشي، بل التعب الذي يسكن روحه وهو يقف عند حافة الاختيار. في لحظة مُقدَّسة أمام صندوق الاقتراع، يجد نفسه مُعلَّقاً بين جدارين: جدارٌ من تراب الأجداد ورائحة المذهب العتيقة، وجدارٌ زجاجي تضيئه خوارزميات تعمل بسرعة الدوبامين.
لم يعد المشهد الانتخابي ساحة للمعركة الفكرية، بل أصبح مسرحاً للوهم المُتقن. لم يعد المرشح يبيع برنامجاً، بل يبيع هَوَساً. إنه يزرع في الذاكرة الجمعية قلقاً وجودياً متجدداً: “إن لم تُصوِّت لي، فإنَّ الآخر سيفترسك”. هذا الخوف، يا سادة، هو الوقود الأغلى في مختبر الإقناع الرقمي.
الوصم والانصياع: حين تشتد قبضة الوعي الجمعي
لم يعد الولاء مجرد ميل عابر، بل تحوَّل إلى عقيدة رقمية قاسية. لقد رأى إميل دوركايم في الوعي الجمعي تلك الروح القوية التي تُوجِب على الفرد الخضوع لمعايير الجماعة لضمان التضامن، واصفاً إياه بمثابة قوة قاهرة. اليوم، أصبحت هذه القوة أشبه بـ سِوارٍ حديدي بارد يلتف حول الرقبة الرقمية للناخب. تستغل الخوارزمية هذه الحاجة البشرية القديمة للانتماء، فتُحوِّلها إلى مذهب جديد: الطاعة المُنظمة آلياً. لم يعد التصويت غاية لتحقيق المصلحة، بل وسيلة للحفاظ على ذلك التضامن الآلي داخل العشيرة الرقمية. يُفرَضُ على الناخب طقسٌ يومي من التفاعل يُثبت ولاءه؛ فكل “لايك” أو “شير” لا يخرج عن السردية السائدة هو تضحية صغيرة تُقدَّم على مذبح الوحدة المذهبية، ليتحول الفرد من مواطن إلى كاهن مُجنَّد في معبد الزعيم. هنا يجد العقل نفسه مخيراً بين الانسجام الكاذب داخل الفقاعة، وبين عزلة الحقيقة الموحشة خارجها.
هنا يولد الناخب المُلتهِب
الناخب المُلتهِب لم يعد كائنًا يحركه العقل أو التحليل المنطقي، بل الغريزة الرقمية التي تغذّيها المنصات باستمرار. كل تفاعل عاطفي، كل إعجاب أو تعليق، يُكافأ بجرعة من الدوبامين، فتتحول الإثارة الرقمية إلى وقود يستهلكه الناخب أسرع من أن يوقف نفسه للتفكير.
لم يعد يبحث عن الحقيقة، بل عن نشوة الانتماء التي تمنحها الشاشة. هذا الالتصاق بالسردية المهيمنة ليس وليد اللحظة؛ هو انعكاس لتجربة الإنسان في اجتماعاته الصغيرة، كما أظهر سولومون آش في تجاربه: الأفراد يخافون إظهار رأيهم الصحيح إذا كان يختلف عن الأغلبية، لتجنب العزلة والوصم الاجتماعي.
وفي مجموعات الواتساب وفجوات التواصل الرقمي، يصبح الخضوع للأغلبية أمراً اعتيادياً، ليس لأنه صواب، بل لأنه يوفّر الحماية من العزلة.
لكن هذا السجن الرقمي ليس حكراً على لبنان وحده. الديمقراطيات الكبرى في أوروبا وأمريكا شهدت حملات تضليل عالية الاستهداف، والنتيجة كانت تكرار الانقسام السياسي والاجتماعي. الفرق هنا أن الخوارزمية اللبنانية لا تصنع هوية جديدة، بل تضخّم صدعًا قديمًا، طائفيًا، عمره قرون، وتحوّله إلى أداة تحكم في خيارات الأفراد، فتصبح السياسة بأكملها مشغولة بتغذية الانقسام بدل التفكير بالمصلحة العامة.
التعقيد الإضافي: التفاوت الرقمي والوصاية المفروضة
ثمة طبقة أخرى تزيد المشهد التباسًا. فليست المشكلة فقط في الانقسام الطائفي أو في أثر الخوارزميات، بل في الفجوة الرقمية التي تتسع بين اللبنانيين. هناك من يفهم كيف تُصنع المعلومة وكيف تُوجَّه، وهناك من يتلقّاها كما هي، بلا أدوات لقراءتها أو التشكيك فيها.
هذا التفاوت لا يرتبط بالعمر وحده، بل بالبيئة الاجتماعية أيضًا. فالمواطن الذي لا يملك خبرة بالتقنيات الحديثة، ويعتمد في معلوماته على شبكة العلاقات التقليدية داخل طائفته أو حزبه، يتحوّل عمليًا إلى مستهلكٍ خام للرسائل الرقمية. المعلومة تصل إليه كسلطة نهائية لا تُناقش، ويتعامل معها بالطريقة نفسها التي تعامل فيها أهله مع خطابات الزعماء قبل عقود.
هنا تتكوّن وصاية جديدة—وصاية رقمية غير معلنة—تأخذ مكان الوصاية السياسية القديمة. فيصبح الناخب محصّلة جهلين معًا:
جهل بآليات صناعة الخطاب الذي يواجهه على الشاشة،
وجهل بواقع الأزمة الذي يحتاج هو نفسه إلى فهمه لاتخاذ قرار رشيد.
وهكذا، تتعقّد السلطة على الناخب من جهتين: سلطة التقليد، وسلطة الخوارزمية، فيما يتراجع دوره كمواطن حرّ المفترض أن يراقب ويسائل ويختار.
مرثية العقل الناخب وتفكيك البرمجة المؤسسية والشخصية
تبدأ مرثية العقل الناخب عندما يدرك الفرد أنه لم يعد يختار بوعيه الحر، بل بذاكرة طائفية وبرمجة خوارزمية. لكن في خضم هذا الحزن الفلسفي على ضياع البوصلة، تكمن قوة التحرر. ففكُّ ارتباط الوعي من البرمجة يتطلب بناء مناعة فكرية فردية وجمعية، مدعومة بمؤسسات:
1. تحصين الجبهة المؤسساتية:
لا يمكن ترك العقل الناخب يصارع وحيداً. يجب على المؤسسات التعليمية أن تُدرج مناهج التفكير النقدي ومحو الأمية الرقمية. كما يجب على الإعلام العام أن يستعيد دوره كبوصلة، لا كصدى طائفي، من خلال تقديم تحليلات نزيهة تفكك الخوارزميات وتُعري خطاب “الخطر الوجودي”.
2. كسر الإدمان الرقمي: مقاومة الدوبامين
على المستوى الفردي، يجب على الناخب المُلتهب أن يُحوِّل علاقته بالشاشة من علاقة إدمان عاطفي إلى علاقة تحليل هادئ. لا تتفاعل فوراً مع منشور يُثير الغضب أو الفرح. اترك المنشور ليوم، ثم عُد إليه بعين المحاسب لا بعين التابع. بهذا، نُفقد الخوارزمية وقودها الأساسي: التفاعل العاجل الذي يُطلق الدوبامين.
3. تغيير بوصلة السؤال: من التبعية إلى المساءلة
البرمجة الخوارزمية تُرسِّخ شعوراً بأن الزعيم هو الحامي والمنقذ في الأزمة. مفتاح التحرر هو قلب هذا التأطير. السؤال يجب أن يُحوَّل من: «كيف أحمي هذا الزعيم وهذه الجماعة من الخطر؟» إلى: «ماذا قدَّمتَ لي أنا، المواطن، مقابل ولائي؟». هذا التغيير البسيط يُحوِّل العلاقة فوراً من تبعية إلى مساءلة، ويُنهي دور الزعيم كمُشرِّع للطاعة.
صوتك…إيقاظ من مرثية
في نهاية المطاف، سيقف الناخب اللبناني أمام صندوق الاقتراع. لكنَّ الصراع الحقيقي لن يكون بين مرشح وآخر، بل بين العقل المُبَرمَج والعقل المُتيقِّظ.
مرثية العقل الناخب لن تنتهي بالندم، بل تنتهي بالقرار. عندما تمد يدك لتُلقي الورقة، اجعلها لحظة وعي نادرة. تذكَّر أن قوة الخوارزمية تكمن في سرعة تفاعلك، وقوة الوعي الجمعي تكمن في خوفك من العزلة.
تحرَّر! كُن أنت التضامن الجديد، تضامن المواطنين لا تضامن الطوائف. ألقِ صوتك للمصلحة العامة، حتى لو اضطررت للسباحة وحيداً ضد تيارات الوصم والترند والخوف.
في ٢٠٢٦، لا تُصوِّت لمن سيعزف على خوفك، بل صوِّت لمن يوقظ حريتك.
