رسالة افتراضية من “نايلة” إلى”جبران” .. سنبقى موحّدين إلى أبد الآبدين !!

بقلم خالد صالح

أبي :
كلّ الذين أحبهم رحلوا صاروا في خوابي الدّهر ذكرى، صاروا سمادًا للحقول لم يبق فوق رخامة القبرغيري أقاوم السكين .. وهذي “البلاد” امرأةٌ عاقرلاتملّ من نسجِ الحكايا عن حَملِها الكاذب .. هذا المساءُ كنتُ سأكتفي بوحدتي وفنجان بارد من قهوتي .. لكنّ صوتكَ حرّك الهواءَ في رئتي .. أنا مثلكَ تمامًا قبل عشرين سنة، متعبة وهادئة، مثلكَ يختمرُ الحزنُ في صمتي وفي لغتي .. أنا مثلكَ أيضا أقارعُ الانتظارَ ربّما لزلزال كالذي حصل في ذلك الصباح ..
لا أملكُ الجرأة الكافية يا “جبران” لتحسّس غيابكَ، سنواتُ الرّحيلِ التي تراكمت في ذاكرتي غير قادرة على إقناع صدري به، أعلمُ أنني ذاتَ يوم سأصبحُ امرأةً من شمعٍ وخشب، كدمية في صندوق تبتلعة الأرض، ليمرّ إذا هذا الشعور فلستُ أرى نفسي الآن سوى إحدى الرخويات أخاف الذوبان بملح الصخور ..
كنتُ على يقينٍ بأنني أنتمي بكلّي إلى “رجل حقيقي” لا يتكرّر!! وكيف يُكرّره الزّمن فيقدمَ لي المستحيل مرتين !! وأنتَ الذي قطعتَ عمركَ زحفًا على أوتارِكَ كي نمشي، تركتَ أقدامك تسيرُ بنا إلى حيث ينبغي أن ترانا بجبهتك الشامخة التي لم تنحنِ، واظبتَ على شدّ ظهورنا كأنكَ تعلمُ بخبرتك الفريدة، أن القلوبَ المكسورة مرآبٌ لرَكن الحزن فحَرصتَ على جَبرِ قلوبنا، لم تعلم أن رحيلك أكبر كسر لها، أنا التي لم أستطع رغم السنين ردم حفرة الفقد المفتوحة في ظهري ..
أعترافٌ بالفشل أيّها القلب الذي هو أنت يا “جبران”، هشّة أنا بما يكفي حينَ أكتبُ عنك، أسارعُ سطوري الآن لأقولَ “أحبّك”، وربّما عليّ الاعتذار أيضًا فقد أدركتُ متأخرة معنى أن يكون نهارك مسلوبًا للعمل كما كنت دائمًا، أدركتُ بعد فوات الآوان قيمة هذا الإرث الذي أهديته لنا معطرًا بعبير دمك ..
نعم أحبّك يا أبي
ولكن ماذا تفعل بحبّي الذي لم ينقطع أبدًا؟.. أنتَ الذي زرعتَ فينا أنواع قُبلك في أوانها .. لا أذكر أنني قبّلتك يومًا لأني أريد ذلك، كنت أفعلُها بداعي الواجب وردّ الجميل، كم أنا نادمة لتفريطي بوقت كان سيكون لي زادًا وقوة ..
نعم يا أبي .. كم كنت ابنة ساذجة وكم كنت أنت أبي ..
أكتبُ لك عن الخلودُ يا “جبران” .. فالخلود مبنيٌّ على كمّ الذينَ يذكرونَ اسمكَ بعد موتِك .. فإمّا أن يكون الموتُ نهايةً أو انتقالٌ للجانبِ الآخرِ، ومن هناكَ تتفرّجُ على خلودِكَ ..
الجريمة ليست بالضرورة طعنة في القلب أو رصاصة في الرأس، وليست سكينًا حادة تحزّ عنقًا، ولا رجلًا قتلته الرطوبة في أحد المعتقلات، والرصاصة التي تسمع صفيرها لن تقتلك، لأنها لسوء حظها مرّت بجانبك ولم تنتبه لوجودك .. سوء حظك أنك في بعض الأحيان لا تُثير انتباه الموت، لكن في المواجهة مع القتلة .. تكثر احتمالات موتك ..
أخبرني أحد الأصدقاء الذين أكلتهم “عبوة” مباغتة ذات صباح رمادي .. بأنّ الوطنَ من أعلى يبدو مثل كذبة بيضاء .. وأن الدّماء التي تناثرت على المنحدر .. كي لا تتخثّر عليها أن تظلّ ساخنة ..
لماذا أيها الوطن .. كُلّما أردنا مواجهة قسوتك وتهذيبها .. بعتاب صغير .. يُراق دمنا على حواف طرقاتك .. ولا نتخثر .. تستنزف قلبك في استدراجِ موتٍ على قياسِكَ .. فيأتي الآخرونَ ويقتلونَك .. بحُجَّةِ خطأٍ في الكمين ..
حينَ تصابُ بجُرحين معًا .. في مكانين مختلفين منكَ .. فإنّه (فيزيولجيا) سوفُ يُلغي أحدُ جرحيكَ الجُرحَ الآخر .. وذلكَ حسبَ أيّ الجرحينِ يؤلمكَ أكثر .. استيقاظُ جراحكَ كلّها دفعةً واحدةً .. كأنّك تغرق .. كفُّ يدكَ فقطْ فوقَ السّطحِ تلوّح .. فوق سطحِ الألم ..
كان صياحُ ديكك يقول كلّ صباح .. أنا الطّريدُ الّذي تُلاحقهُ بلادهُ .. والغريب الّذي حين فتّشوهُ أمامَ بابِ (السّفارة) وجدوا تحتَ أنقاضهِ أوراقًا ثبوتيّةً كثيرةً .. وعلبةَ كبريتٍ فيها عودُ ثقابٍ واحدٍ .. فاتّهموهُ بكلّ حرائقِ العالم .. أنا اللبناني .. سِردابٌ مخيفٌ تحتَ وسائِدِهم لا يجرُؤونَ على ردمهِ ..
حزينون يا “جبران” ولكن بشكلٍ جميل .. صرنا من شِدَّتنا نُعلِّقُ آمالنا على خطّ ضوءٍ يفصلُ آخر السَّهر .. عن أوِّلِ استيقاظ الصوتِ في رؤوس الشَّجر ..
نقول :
ما لنا إلّا الرّحيل، نأخذُ وضعيّةً على أسرّتنا .. تليقُ بما سنحلمُ بهِ .. غالبًا ما نكونُ مُستلقينَ كمن يطفو على وجهِ ماءْ .. وغالبًا ما نكون نحلمُ بالنّجاة من الغرق .. لا شيءَ يجوبنا من الدّاخلِ .. فراغٌ يحرس الرّوحَ المشاعَ .. كلّ شيءٍ فينا مُدرَّبٌ على غاراتِ الذّاكرةِ .. حزينونَ ولا أجملَ من حزننا .. أكبر همّنا أنْ ننجوَ .. آخرُ همّنا أن نموت .. وصوت قسمك صار من فرطِ المسافة بيننا .. أشبه بدمدمة مريبة خلف نافذة مغلقة ..
تذكّرتُ يا “جبران” أن أخبركِ شيئًا عن تلك المقبرة .. لن تكترثَ ليدٍ مكسورةٍ مهما اشتدّ بك الغرق .. إن لم يكن هناكَ على الميناءِ من ينتبهُ لموتكَ .. أو على الأقلِّ يدٌ واحدةٌ تُلوّح لكْ .. وأنتَ تغرق ..
الأغنيات .. كأنّ ثقبًا في روحكَ يتّسع .. كلّما سمعتَ أغنيةً تذكّركَ بهم .. الذين غادروكَ وحيدًا .. تمرّ الأغنيةُ عبركَ مثل رصاصة .. تثيرُ جرحًا قديمًا .. أغنيةٌ تقتُلكَ .. لكن لن تقتُلك .. ونحن سنبقى “موحّدين إلى أبدِ الآبدين” .. رغمًا عن أنوفِهم ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top