
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
في تاريخ الجمهورية اللبنانية الحديث، لم تعد السياسة الخارجية مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل هي مختبر السيادة الوطنية الأخير ومقياسها الأكثر وضوحاً. إنها المرآة التي تعكس حقيقة الدولة، وتكشف بصدق عن قدرتها على التحدث بصوت موحّد وفاعل، أو على العكس، التشتّت والاستسلام لتضارب الولاءات. ففي بيئة إقليمية بالغة الاضطراب وشديدة الاستقطاب، يتحوّل أي انحراف عن مسار الحياد الضروري أو أي إهمال للتركيز على المصالح الوطنية الجامعة، إلى خطر وجودي ذي تكلفة اقتصادية ودبلوماسية هائلة تدفع بالبلاد نحو حافة الانهيار.
ولفهم عمق هذا التحدي، يتجلى التحول الجوهري في استراتيجية البقاء عند مقارنة الولايتين الرئاسيتين: ولاية الرئيس ميشال عون (2016-2022)، التي اتسمت بالارتباط الأيديولوجي، وولاية الرئيس جوزاف عون (منذ 9 كانون الثاني/يناير 2025)، التي تبنت البراغماتية كخيار استراتيجي للإنقاذ. لقد أظهر كل منهما نهجاً مختلفاً في إدارة الشؤون الخارجية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة وملموسة على القدرة اللبنانية على حماية مصالحها العليا واستعادة ثقة العالم.
ولاية الرئيس ميشال عون (2016-2022): الانحياز كاختطاف للقرار السيادي
اتسمت السياسة الخارجية خلال ولاية الرئيس ميشال عون بـ الارتباط الوثيق بتحالفات داخلية محدودة ومرجعية إيديولوجية واحدة، مما أدى إلى تآكل استقلالية القرار الوطني وجعل لبنان عرضة للتأثير غير المباشر للمحاور الإقليمية. هذا الارتكاز الداخلي، الذي تزامن مع ضعف التوافق الوطني على سياسته الخارجية، انعكس مباشرة في عزلة لبنان إقليمياً وفقدان شبكة الأمان العربية التقليدية.
تجلت هذه الإشكالية في أخطر صورها خلال الأزمة الخليجية عام 2021، إثر تصريح وزير الإعلام حينها، الذي اعتُبر منحازاً بشكل علني. هذا التصريح، الذي لم يكن مجرد زلة بل تأكيداً لتعدد المرجعيات وتغلغل صوت المحاور في الخطاب الرسمي، أثار أزمة دبلوماسية حادة أدت إلى انسحاب دبلوماسيين وقطع الدعم الخليجي الحيوي. هنا، برزت الهشاشة الكبرى للشبكة العربية عندما تُختطف سياستها الخارجية لأجندات ضيقة، ما اضطر الحكومة إلى الاستنجاد بالمساعي الأمريكية لمعالجة أزمة كان من المفترض أن تُحل ضمن إطارها الإقليمي. وعلى الرغم من تسجيل بعض النجاحات المحدودة، أبرزها ترسيم الحدود البحرية بمبادرة أمريكية، فإن التكلفة الإجمالية للانحياز كانت باهظة وكارثية، حيث أسهمت العزلة وفقدان الدعم في تسريع الانهيار الاقتصادي والمالي، ليُسجل التاريخ أن هذه الولاية الرئاسية تزامنت مع الانهيار الاقتصادي والمالي، حيث كانت السياسة الخارجية أحد العوامل المسرّعة لتفاقم الأزمة الوجودية في البلاد.
ولاية الرئيس جوزاف عون (منذ 9 كانون الثاني/يناير 2025): البراغماتية كاستراتيجية إنقاذ وطني
مع انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية في 9 كانون الثاني/يناير 2025، تبنّت السياسة الخارجية نهجاً مختلفاً جذرياً، يقوم على الإدارة الواقعية والمصلحية العليا بعيداً عن وهم الاصطفافات الأيديولوجية. وقد ارتكزت هذه الولاية على تحويل المؤسسة العسكرية إلى رأسمال دبلوماسي، بوصفها المرجعية الأكثر موثوقية والأكثر قبولاً دولياً في مرحلة الأزمة. هذا التوظيف الاستراتيجي للدعم سمح بتأمين دعم مالي وعسكري مباشر وموجه من دول غربية، مع ربط هذا الدعم بـ الالتزام الفعلي بالإصلاحات وتحقيق الأمن المستدام.
وقد أثمر هذا النهج البراغماتي عن نتائج ملموسة في زمن قياسي:
إعادة بناء الحاضنة العربية: تم استئناف التواصل الفاعل مع الدول العربية المعتدلة، حيث أفضت اللقاءات إلى تأمين دعم موجه ومؤسساتي من الأردن وقطر والكويت، مما يساهم في توفير شبكة أمان مالية وأمنية بديلة.
دبلوماسية التوازن الإقليمي: تم التعامل مع علاقات لبنان الحساسة مع إيران وسوريا بخطاب عملي ومؤسساتي يفرض شروط السيادة. هذا النهج تجسد في التأكيد العلني على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتشكيل لجان فنية (اقتصادية وأمنية) لضمان أن التنسيق يخدم مصالح الدولة اللبنانية حصرياً، كما ظهر في لقاءات الدوحة (10 كانون الأول 2025).
ترجمة البراغماتية إلى إجراءات سيادية: لم يقتصر الأمر على الخطاب، بل انتقل إلى الأفعال، حيث بدأت الولاية في تنفيذ خطة الجيش لـ حصرية السلاح، وأبرزها البدء الفعلي في سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات. هذه الخطوات تعكس الالتزام المباشر والعملي باستعادة السلطة على كامل الأراضي اللبنانية، وهي رسائل ضرورية لكسب المزيد من الثقة الدولية.
السياسة الخارجية وانعكاس الواقع المؤسساتي
تؤكد المقارنة بين الولايتين حقيقة دستورية وجيوسياسية عميقة: أن السياسة الخارجية ليست ظاهرة منعزلة، بل هي انعكاس دقيق لواقع التماسك المؤسساتي الداخلي. حين يكون الداخل ممزقاً، وتسيطر الانقسامات الفئوية على القرار، تصبح الدبلوماسية عاجزة وفاقدة للمصداقية. في المقابل، عندما يُستعاد هيكل الدولة المؤسساتي والاجتماع حول مرجعية وطنية موحدة وموثوقة (كالمؤسسة العسكرية)، تنعكس صورة دولة واضحة ومتماسكة في الخارج. هذه الدولة تصبح قادرة على التفاوض بفعالية على مصالحها السيادية، وتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الدعم الخارجي والالتزام الثابت بحماية مصالحها الوطنية. هذا التحول من الفئوية إلى المؤسساتية هو الضمانة الحقيقية لعودة لبنان كفاعل سيادي.
التحديات المستقبلية والرهان على استدامة البراغماتية
يبقى السؤال المركزي الذي يحدد مصير هذه المرحلة الانتقالية: كيف يمكن تثبيت هذا النهج البراغماتي وتحويله من استراتيجية إنقاذ طارئة إلى سياسة خارجية مستدامة؟
يتطلب نجاح الدبلوماسية اللبنانية في هذا المسار تجاوز تحديات هيكلية دقيقة
الحفاظ على التوازن الإقليمي الحرج:
يتطلب نجاح السياسة الخارجية ممارسة دبلوماسية التوازن بمهارة فائقة: استقطاب الدعم اللوجستي من المحور الغربي والعربي المعتدل، وإدارة العلاقات المعقدة مع إيران وسوريا وفق شروط السيادة الواضحة والحدود المؤسساتية، دون الانزلاق مجدداً إلى مستنقع الاصطفافات الأيديولوجية.
ربط السياسة الخارجية بالإصلاح الداخلي الجذري:
يعتمد الدعم الخارجي والدولي المستعاد على تحقيق نتائج ملموسة. فالرهان ليس فقط على تعزيز سيادة الدولة وأمنها، بل يمتد إلى مكافحة الفساد والإصلاح المالي الشامل. إن استدامة تأثير النهج البراغماتي مرهونة بقدرة الدولة على تلبية شروط المجتمع الدولي، وتحويل التعهدات الدبلوماسية إلى تغييرات داخلية حقيقية.
تحفظات نقدية وقيود تحليلية
على الرغم من وضوح التحول المنهجي، يبقى هذا التقييم مشروطاً بعدة عوامل منهجية وهيكلية يجب وضعها في الاعتبار:
تعقيد العوامل البنيوية: لا يمكن إغفال أن السياسة الخارجية اللبنانية تتأثر بعوامل بنيوية عميقة تتجاوز خيارات الرئاسة الفردية، كـ طبيعة النظام الطائفي، والخلل الهيكلي في النظام الاقتصادي المتدهور، والتوازنات الإقليمية التي تفرض قيوداً دائمة على القرار الوطني.
التقييم المبكر للولاية الجديدة: بما أن ولاية الرئيس جوزاف عون لا تزال في بدايتها (منذ كانون الثاني/يناير 2025)، فإن تقييم نتائجها النهائية قد يكون سابقاً لأوانه، إذ تحتاج السياسات الدبلوماسية فترة زمنية أطول لإثبات فعاليتها واستدامتها في وجه الصدمات الإقليمية.
تساؤلات حول العلاقة المدنية-العسكرية: التركيز على تحويل المؤسسة العسكرية إلى “رأسمال دبلوماسي” يطرح تساؤلات مشروعة حول العلاقة المدنية-العسكرية في صناعة القرار السيادي، وضرورة التمسك بآليات دستورية مدنية في إدارة السياسة الخارجية.
التحديات الهيكلية للنظام السياسي: إن التغلب على التحديات المشار إليها يتطلب معالجة جذرية لخلل النظام السياسي اللبناني، وهو تحدٍّ يتجاوز صلاحيات وإمكانيات الشخصيات الرئاسية وينسحب على توافق المؤسسات كافة.
لذا، يبقى الرهان الأساسي هو على المؤسسات وليس الأشخاص. يجب أن تنتقل الدولة للتحدث باسم لبنان بصوت واحد، واضح، ومحترم، مستمدة قوتها من توافق داخلي غير منحاز يغطي على الانقسامات الفئوية. عندها، يمكن للدبلوماسية اللبنانية أن تتحول بشكل نهائي من أداة لحماية مصالح ضيقة إلى أداة لبناء سيادة وطنية متينة ومرنة، تمكّن لبنان من الوقوف بثقة أمام العالم كشريك مسؤول.
