
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
”لبنان ليس محطة ولا ساحة، لبنان وطن. هو أقدم من أن يكون رهينة، وأعظم من أن يكون ملعباً”.
بعد عشرين عاماً على اغتيال جبران تويني، أيّ من أسئلته الكبرى وجد إجابة؟ في الثاني عشر من كانون الأول (ديسمبر) 2005، لم يفقد لبنان مجرد صحافي ونائب بالاغتيال الغادر؛ بل خسر قائداً فكرياً استثنائياً، صاغ من منبر الكلمة مشروع سيادة وطنية متيناً في مرحلة كانت أحوج ما تكون إلى الوضوح. لقد كان جبران غسان تويني وريث الإرث الإعلامي، لكنه لم يكتفِ بدور مدير المؤسسة؛ بل تجاوز وظيفته ليصبح رمزاً حياً للمقاومة الفكرية والمساءلة الدستورية. إن استحضاره اليوم ليس مجرد تذكير بـ “ضحية سياسية”، بل هو احتفاء بإرث لم تنطفئ جذوته، إرث تتشابك فيه الحرية المطلقة للصحافة مع المتطلبات الصارمة لبناء دولة قائمة على القانون ورافضة للوصاية.
القسم الخالد والمقاومة الدائمة
”نقسم بالله العظيم،
مسلمين ومسيحيين،
أن نبقى موحّدين إلى أبد الآبدين،
دفاعًا عن لبنان العظيم”.
1. منبر النهار: مدرسة في التفكير وصناعة الأجيال
لقد ورث جبران تويني بلا شك إرثاً صحافياً ضخماً، لكن عبقريته تكمن في أنه لم يقبل أن يكون مجرد مستمر لهذا الخط؛ بل أعاد صياغة “النهار” لتصبح مدرسة حقيقية في التفكير النقدي والمساءلة الوطنية. كان تويني يرفع الصحافة من مهنة نقل الخبر إلى مسؤولية وطنية عليا تتطلب الجرأة في طرح الأسئلة، والوضوح التام في الموقف، والموازنة بين الحرية المطلقة ومتطلبات الموضوعية.
لقد تجلّت رؤيته الإصلاحية في ثلاث زوايا محورية:
تأسيس خطاب تحليلي: حيث قاد عملية تحوّل في الخطاب السياسي اللبناني من لغة الشعارات والمواقف الانفعالية إلى خطاب يستند إلى التحليل العميق، والتدقيق الدقيق، والتوثيق المرجعي.
تشريح السيادة: فتح النقاش على مصراعيه حول مفهوم السيادة الوطنية وعلاقة لبنان بمحيطه المعقد، مؤكداً ضرورة التعاطي بعقلانية لا بإثارة.
رعاية جيل جديد: عمل بوعي على توفير منصة آمنة ومسؤولة لجيل الصحافيين الشباب، ليتعلموا ممارسة الكتابة الحرة المقترنة بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية. ويشهد تاريخ “النهار” على أن هذه المدرسة قدّمت لاحقاً أصواتاً فكرية وإعلامية مؤثرة شكّلت العمود الفقري لصحافة النقد والتحليل.
لقد كان هذا التحديث الجوهري بمثابة إرساء لدور جديد للإعلام؛ فـ “النهار” تحت قيادته أصبحت منبراً يرتكز على المنطق السياسي والسؤال الدستوري قبل أي شيء آخر، مجسداً دور الإعلام كـ سلطة رابعة حقيقية فاعلة، لا مجرد بوق أو أداة حزبية طيعة.
2. الجرأة في مواجهة النفوذ: المنطق السياسي والسؤال الدستوري
لم تكن مواجهة جبران تويني للنفوذ الإقليمي مجرد رد فعل انفعالي، بل كانت تقوم على أساس فكري صلب: المنطق السياسي والتحليل العقلاني، بعيداً عن الاستثارة الشعبوية. كان جوهر خطابه يرتكز على السؤال الدستوري وحق لبنان في تقرير مصيره.
شكّلت مقارباته الفكرية محطات فارقة في تاريخ الصحافة السياسية اللبنانية:
”كتاب مفتوح إلى بشار الأسد” (2000): يمثل هذا النص نقطة تحول غير مسبوقة في الجرأة السياسية المباشرة. ففي هذا الكتاب، الذي نُشر قبل خمس سنوات من الاغتيال، تساءل تويني بوضوح قائلاً: “هل المطلوب هو إبقاء لبنان في وضع الإلحاق والتبعية، أم إقامة علاقة صحيحة ومحترمة بين دولتين؟” لم يكن مجرد نص تصادمي، بل حمل قيمة فكرية عميقة كونه دعوة صريحة وموثقة لإعادة هيكلة العلاقة بين دولتين شقيقتين، قائمة على الاحترام الكامل للسيادة والاستقلال المتبادلين.
”بين كلام خاتمي وكلام الأسد”: في مقاربة تحليلية حادة، استغل تويني التباين بين الخطابين السياسيين في المنطقة ليثبت أن الكيان اللبناني يجب أن يكون مبنياً على ذاته كدولة ذات سيادة مستقرة، رافضاً بكل وضوح تحويله إلى مجرد ورقة تفاوض أو ساحة تصفية حسابات في الصراعات الإقليمية.
مقالاته عن المقابر الجماعية: رغم لهجتها الصارمة، استندت هذه المقالات بشكل قاطع إلى مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان. اعتبر تويني أن إظهار الحقيقة كاملة — مهما كانت قاسية أو مؤلمة — ليس عملاً انتقامياً، بل هو الشرط الأساسي الذي لا غنى عنه لإرساء قواعد المصالحة الوطنية والعدالة.
3. “القسم”.. الميثاق الوطني لتحصين السيادة والوحدة
في لحظة تاريخية فارقة، وتحديداً في 14 آذار (مارس) 2005، قبيل انسحاب القوات السورية من لبنان، تجاوز جبران تويني دوره كصحافي ليظهر كـ قائد رأي مؤثر استطاع توحيد طيف واسع وهائل من اللبنانيين المتباينين في الانتماءات والرؤى السياسية تحت مظلة واحدة. لم يكن “القسم” الذي تلاه في ذاك اليوم مجرد شعار حماسي، بل كان إعلاناً وطنياً ذا دلالة تأسيسية، تحوّل إلى جزء أصيل من “الذاكرة الوطنية” اللبنانية. وما زال هذا القسم يُستعاد اليوم في مواجهة التحديات المستجدة لاختراق السيادة أو تفكيك الوحدة الوطنية، عند كل مفترق طرق يهدد الكيان.
لقد حمل هذا الميثاق ثلاث رسائل جوهرية لتحصين فكرة الوطن المشترك:
وحدة الهدف: التأكيد على أن القاسم المشترك الأكبر للبنانيين هو الإجماع على مشروع الدولة المدنية الممكنة، بعيداً عن منطق المكونات.
الشراكة لا الإلغاء: الإقرار بأن التباينات والاختلافات السياسية والطائفية لا يجب أن تكون سبباً للتفكك، بل يمكن التعايش معها في سياق بناء وطن مشترك يقوم على التعدد.
الحرية الجامعة: أن الحرية هي قيمة وطنية عليا ومُلك مشاع للجميع، وليست امتيازاً أو حكراً لطائفة أو فئة سياسية دون غيرها.
لقد جسّد القسم لحظة تبلور الوعي الوطني وضرورة المقاومة السلمية للحفاظ على الكيان اللبناني.
4. العودة إلى بيروت: قرار بوزن مصيري والإرث الخالد
حين عاد جبران تويني من باريس قبل يوم واحد من اغتياله، كان قراره ذاك بمثابة بيان مصيري ووطني يتجاوز الحياة الشخصية. فبرغم إدراكه التام لحجم المخاطر المحدقة به، اتخذ قراره بالعودة مرتكزاً على أسس واضحة: التزام مهني وأخلاقي تجاه مؤسسته وقرّائه، ومسؤولية دستورية بوصفه نائباً منتخباً، وقبل كل شيء رفض مطلق لمبدأ أن تكون التهديدات سبيلاً لتعطيل دوره العام أو إخراسه. اغتياله في المكلس لم يغلق ملف حضوره، بل فتح ملفاً وطنياً أوسع حول حماية الحياة السياسية والصحافية في لبنان.
إن إرث تويني لا يُختزل في لحظة النهاية، بل في مشروعه الواضح لبناء الدولة، مؤكداً أنه لم يكن رجل صدام بل رجل فكر. وقد تمحورت رسالته حول مرتكزات لا تقبل التنازل:
الوحدة والشراكة: أن الأساس الوحيد للوحدة الوطنية هو الشراكة العادلة بين المكونات، وليس انتصار فريق على آخر (التغليب).
سيادة منضبطة: أن السيادة لا تتحقق بالعزلة، بل بتنظيم العلاقات الخارجية وفق مصلحة لبنان العليا وحدها.
العدالة أساس الاستقرار: أن العدالة ليست مجرد انتقام، بل هي الشرط الأساسي الذي يضمن الاستقرار السياسي الطويل الأمد.
وقد عبّر الأب غسان تويني عن جوهر هذا الإرث الإنساني والوطني في جملته الخالدة يوم الوداع: “ندفن الأحقاد ونرفع راية العدالة”. بهذه الكلمات، اكتمل المعنى الحقيقي لدور جبران: ليس كضحية صراع سياسي، بل كصوت مؤسس في مشروع بناء دولة القانون والمؤسسات.
اليوم، يبدو هذا الإرث أكثر حضوراً وإلحاحاً من أي وقت مضى، إذ نرى التحديات التي واجهها تويني، من وصاية واختراق للسيادة، قد تجلّت بأشكال جديدة تتهدد وجود الدولة. لا لأن الملف القضائي قد اكتمل، بل تحديداً لأنه لم يكتمل بعد، ولأن الحاجة إلى مبادئه — حرية الصحافة الجريئة، استقلال المؤسسات، ونهج الدولة المدنية — ما زالت تشكل التحدي الأكبر.
يبقى جبران تويني فكرة وطنية خالدة: لبنان يُكتب بالقلم قبل السلاح، وتُحفظ كرامته بالدستور وحرية أبنائه.
