
بقلم رفيق عبدالله- ديمقراطيا نيوز
في خضم التحوّلات العاصفة التي تشهدها المنطقة، يطلّ المشهد السوري اليوم كمرآة مقلقة لما يعتمل في المشرق بأسره، وكمؤشر إضافي على اهتزاز الصيغ السياسية التي وُلدت في لحظة تاريخية مصطنعة ولم تنجح، بعد قرن تقريبًا، في التحوّل إلى دول طبيعية.
صعود الحكم السنيّ في سوريا، متمثلاً بالرئيس أحمد الشرع، لا يمكن قراءته بوصفه حدثًا سوريًا صرفًا، بل هو تطور إقليمي تتردد أصداؤه بقوة في لبنان، وخصوصًا داخل البيئة السنيّة التي عاشت، ولا تزال، واحدة من أعقد تجارب القهر السياسي والتاريخي في هذا الكيان.
منذ لحظة اقتطاع الكيان اللبناني عن محيطه الطبيعي، لم يكن انضمام السنّة إليه خيارًا حرًا ولا نتاج مسار اجتماعي أو تاريخي داخلي. لقد أُجبروا على الدخول في دولة صُمّمت أساسًا لتكون وطناً سياسيًا لمسيحيين أرادوا حماية خارجية، ولأقليات أُريد لها أن تكون سندًا لمشروع يفصل الساحل عن عمقه العربي والإسلامي.
في ذلك الزمن، لم يكن السنّة يبحثون عن كيان بديل، بل عن استمرار تاريخي طبيعي مع محيطهم؛ ولذلك ظلّ وجدانهم مشدودًا إلى عمقهم العربي، فوجدوا في مصر زمنًا ملاذًا سياسيًا وثقافيًا، وفي السعودية زمنًا آخر عمقًا اقتصاديًا وروحيًا، لأن الإنسلاخ عن البيئة العربية والإسلامية لم يكن يومًا خيارًا منسجمًا مع قرون من التاريخ واللحمة.
هذا القهر البنيوي لم يكن مجرد شعور نفسي أو سردية سياسية، بل تُرجم في محطات مفصلية، كان أبرزها اغتيال رفيق الحريري، الرجل الذي حاول أن يصوغ تسوية تاريخية داخل الدولة اللبنانية، وأن يعيد وصل السنّة بالدولة من موقع الشراكة لا التبعية. بإغتياله، لم يُستهدف شخص فحسب، بل أُسقط مشروع توازن وطني. ثم جاء إبعاد سعد الحريري عن الحياة السياسية ليُكمل مشهد التيه السني: زعامة غائبة، تمثيل مشرذم، وبيئة تُترك عارية أمام أعنف أشكال الإقصاء السياسي.
في هذا الفراغ، تعاظم نفوذ اليمين المسيحي، الذي قرأ التحولات الديموغرافية خلال العقود الخمسة الماضية بوصفها تهديدًا وجوديًا.
تناقص الأعداد، الهجرة، وتحولات الإقليم، كلها دفعت هذا اليمين إلى رفع شعار «حقوق المسيحيين» بوصفه عنوانًا جامِعًا. لكن هذه الحقوق لم تُطرح في سياق دولة مدنية عادلة، بل تحوّلت إلى أداة صراع سياسي، وإلى منصة تنافس بين الأحزاب اليمينية المسيحية، غالبًا على حساب الشراكة مع السنّة، وأحيانًا على ظهرهم مباشرة.
من هنا، عادت إلى الواجهة فكرة الفيدرالية، وهي ليست وليدة اليوم، بل فكرة قديمة بدأت تتبلور في أحد أطوار الحرب الأهلية، حين رأت بعض الأحزاب المسيحية أن مطالبة المسلمين بنصرة فلسطين، واحتضان الحركات الفلسطينية، والانخراط في التضامن العربي والإسلامي، لا يشبه “العقلية المسيحية” التي صُوّرت على أنها أقرب إلى الغرب، بل وحتى إلى إسرائيل.
هذا الطرح لم يكن بريئًا ولا تاريخيًا، بل كان نتاج سردية جرى تصنيعها بعناية، تتجاهل حقيقة أن مسيحيي المشرق كانوا، عبر قرون طويلة، جزءًا عضويًا من مجتمعاتهم، ولم يعيشوا الاضطهاد الممنهج الذي يُسوّق له اليوم، إلا بقدر ما عاشه سواهم من أبناء المنطقة.
الكيان اللبناني نفسه لم ينشأ نتيجة صراع داخلي دموي بين المسلمين والمسيحيين، ولم يكن ثمرة حروب أهلية تاريخية. لقد كان، في جوهره، نتاج تفكيك السلطنة العثمانية، وتسويات دولية، ورغبة خارجية في رسم خرائط جديدة. أما الداخل، فكان يعيش، رغم كل التفاوتات، نمطًا من التعايش والاندماج الاجتماعي، لا يشبه الصورة السوداوية التي تُستحضر لتبرير مشاريع التقسيم.
مع انتهاء الحرب الأهلية وتوقيع اتفاق الطائف، تراجعت مطالب الفيدرالية مؤقتًا. أعاد الطائف تقاسم النفوذ بين المسلمين والمسيحيين، وكرّس مبدأ الشراكة، ولو بشكل هش. لكن التناقص الديموغرافي المتسارع أعاد إحياء الهواجس المسيحية، ودفع بعض النخب إلى البحث عن مخارج تلتف على الأرقام. وهنا وُلدت بدعة جديدة: القول إن “لبنانية” الكيان تقوم على القرى والبلدات، وأن هذه هي الوحدات الأصلية التي يجب أن تُبنى عليها الدوائر والمناطق، لا السكان. وبالعودة إلى “أصول” القرى، جرى اكتشاف أن أكثر من 60 في المئة من القرى اللبنانية ذات غلبة مسيحية تاريخيًا، فطُرح نموذج فيدرالي طائفي على مستوى القرى والدوائر الصغرى، يمنح تفوقاً جغرافيًا يعوّض التراجع الديموغرافي.
هذه الفيدرالية، وإن بدت لبعض مناطق الأطراف حلًّا جذّابًا في مواجهة فشل الدولة المركزية وحرمانها المزمن، ليست سوى فخ سياسي. صحيح أن الشمال والجنوب والبقاع يعانون التهميش، ويطالبون بالإنماء، وباللامركزية الإدارية التي نصّ عليها الطائف ولم تُطبّق. لكن الفيدرالية الطائفية لا تعالج التهميش، بل تعيد إنتاجه ضمن كيانات أصغر، وتسرق من هذه المناطق لبنانها وجغرافيتها، وتعيدها إلى منطق الأقليات المتقابلة.
في هذا السياق، يكتسب ما يجري في سوريا بعدًا إضافيًا. صعود حكم سني قوي، يعيد الاعتبار لفكرة الدولة المركزية ذات العمق العربي، يحرّك أسئلة مؤجلة في لبنان. السنّة، الذين همِّشوا وأُقصوا، يجدون أنفسهم أمام خيار تاريخي: إما الاستسلام لمشاريع التفتيت، أو إعادة طرح سؤال الدولة الجامعة، الدولة التي لا تُدار بالخوف الديموغرافي ولا بالتحايل الجغرافي، بل بالمواطنة والعدالة والشراكة الحقيقية.
الفيدرالية، في صيغتها المطروحة اليوم، ليست حلًّا لأزمة لبنان، بل وصفة لتفكيكه النهائي. وهي، قبل أن تكون مشروعًا إداريًا، مشروع سياسي أيديولوجي، يهدف إلى تثبيت تفوق أقلوي بالقوة، وإلى جرّ المسلمين، وخصوصًا السنّة، إلى قبول منطق ينتزع منهم وطنهم قطعة قطعة. وفي لحظة إقليمية دقيقة، حيث تعاد صياغة المشرق، يصبح التمسك بلبنان الدولة، لا لبنان الطوائف، مسؤولية تاريخية، لا ترفًا فكريًا..
