تدمر: حين يتحوّل الانتصار إلى امتحان للتاريخ

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​هل يضمن التفوق العسكري النصر النهائي؟ غالباً ما يكتشف التاريخ أن اللحظة التي يُعلن فيها الانتصار قد لا تكون سوى البداية لاختبار جديد وأصعب. فكم من عملية ناجحة احتضنت في طياتها بذور هزيمتها الآجلة! لهذا، لا يمكن اختزال النصر في عدد القتلى أو حجم الخسائر التي يتكبدها العدو، بل يُقاس بالقدرة الفعلية على بناء استقرار دائم، وتحقيق الصمود السياسي، وضمان أن قوة الحاضر لن تؤول إلى فراغ في المستقبل.

الواقعة وراء الأرقام: امتحان التحالف الجديد

​وقع هجوم تدمر الأخير، الذي أعلن عنه البنتاغون يوم السبت 13 ديسمبر 2025، مسفرًا عن مقتل جنديين أمريكيين ومترجم مدني أمريكي، وإصابة ثلاثة آخرين، بالإضافة إلى مقتل عنصرين من الأمن السوري. لا يمكن اختزال هذا الحدث الدامي في بيان عسكري أو حصيلة أمنية فحسب. فبرغم صغر حجمه، إلا أنه كثيف في دلالاته الاستراتيجية، ويصلح لأن يكون مرآة لفهم اللحظة التاريخية المُركّبة التي يمر بها الشرق الأوسط.

​الحدث: واقعة عسكرية في ظل تحول جذري

​بحسب البيانات الصادرة عن القيادة المركزية الأمريكية والرواية السورية، وقع الهجوم أثناء جولة ميدانية مشتركة وغير مسبوقة لقوات أمريكية وسورية قرب مدينة تدمر. وقد أكد المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، أن المهمة كانت “لدعم العمليات الجارية لمكافحة تنظيم داعش”، مما يؤكد دخول القوات الأمريكية في تنسيق ميداني مباشر مع القوات السورية، في إطار “التوليف الجديد” الذي بدأ يتشكل في نوفمبر 2025.
​وتشير تفاصيل الواقعة إلى أن مسلّحًا منفردًا نجح في نصب كمين للرتل الذي كان يضم ضباطاً من الطرفين، قبل أن يُقتل لاحقًا على يد القوات الشريكة. وعلى الفور، قامت طائرات مروحية أمريكية بإجلاء المصابين إلى قاعدة التنف القريبة من الحدود الأردنية.
​سياسيًا، جاء رد الفعل حاسماً لكنه لم يكن كافياً لتهدئة المخاوف. فقد تعهد وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، بـ “مطاردة وقتل” كل من يستهدف الأمريكيين “بلا رحمة”، ونعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “فقدان ثلاثة وطنيين عظام”.
​لكن التاريخ لا يُكتب بلغة البيانات والتحذيرات، بل بما تكشفه الأحداث العابرة من تناقضات تُلقي بظلالها على الاستراتيجيات. فأن يقع هذا الهجوم بعد أسابيع قليلة من انضمام دمشق رسميًا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، يعتبر طعنة في ظهر التحول الجذري الذي طال انتظاره في العلاقة بين سوريا والولايات المتحدة.

النصر البيروسي: حين يربح المنتصر… ويخسر المعنى

​اللحظة التي أعلنت فيها القيادة المشتركة “الانتصار” بتصفية منفذ الهجوم، هي بالضبط اللحظة التي استحضر فيها المشهد مأساة النصر البيروسي:
​”نصرٌ آخر كهذا، وسأعود إلى وطني بلا جيش.”
(مقولة الملك بيروس بعد انتصاره الباهظ على الرومان في القرن الثالث قبل الميلاد)
​هذا هو النصر الذي يستهلك صاحبه أكثر مما يضعف خصمه؛ انتصار تكتيكي يتحول إلى خسارة استراتيجية. إن قتل المهاجم لا يعني نهاية التهديد، بل يطرح سؤالًا استراتيجيًا أخطر على القوى الفاعلة في المنطقة: كيف يستطيع تنظيم مُعلَن هزيمته إقليميًا، وفاقد للأرض والدولة والقدرة المركزية، أن يضرب بهذه الدقة وفي هذا التوقيت السياسي الحساس، وفي مكان رمزي، وأثناء تنسيق دولي غير مسبوق؟
​كما يرى المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن زيارة الوفد المشترك لتدمر تأتي في سياق “استراتيجية أمريكية واضحة لتعزيز الحضور والتواجد في عمق البادية السورية”. وهنا يصبح “الانتصار” العسكري على منفّذ العملية اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا يكشف هشاشة الترتيبات الجديدة، ولا يمكن اعتباره نتيجة نهائية.

دهاء التاريخ: الجدلية بين السيطرة والهيمنة

​إن القراءة المُتعمقة لهجوم تدمر الذي وقع يوم السبت 13 ديسمبر 2025، تكشف أنه يتجاوز كونه مجرد فعل إرهابي معزول. بل هو جزء أصيل من جدلية التاريخ العنيفة، حيث تتحول الأفعال العابثة والمدمّرة للفاعلين الصغار إلى أدوات في مسار استراتيجي أوسع لا تستطيع القوى الكبرى السيطرة على نتائجه بالكامل.
​يكتسب الهجوم كثافته الرمزية كونه وقع بعد شهر واحد فقط من إعلان سوريا الرسمي، في أواسط نوفمبر 2025، عن انضمامها إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” بقيادة الولايات المتحدة. هذا الإعلان جاء تتويجًا لـ “التوليف السياسي والأمني الجديد” الذي شهد كسرًا تاريخيًا للعزلة.
​في هذا السياق المعقّد، تنظيم “داعش” لا يسعى إلى انتصار عسكري تقليدي، بل ينجح في فرض تناقض جوهري (Paradox) يكشف الهشاشة الكامنة في الترتيبات الإقليمية المُعلنة حديثًا:
​السيطرة الجغرافية المُعلنة: يُمثّلها التحالف الوليد بين واشنطن ودمشق، الهادف لتعزيز الحضور الأمني في البادية ومواجهة عدو مشترك.
​مقابل: فشل الهيمنة التامة: تُمثّله الهشاشة الأمنية الصارخة التي كشفها الهجوم. هذه الهشاشة تُذكّر بأن السيطرة على الأرض لا تعني أبدًا الهيمنة على الواقع الأمني والسياسي. فخلايا التنظيم النائمة تظل قادرة على اختراق واستنزاف حتى الدوريات المشتركة المدعومة دولياً.
​بصيغة أخرى، يكشف هجوم 13 ديسمبر 2025 أن “التوليف الجديد” لم يرسخ بعد، وأن التناقض الأساسي لم يُحسم بإعلان الانتصار العسكري أو السياسي. بل انتقل الصراع إلى مستوى أكثر عمقًا وتعقيدًا: حرب استنزاف للمعنى والشرعية، تستهدف القواعد التي بُنيت عليها الاستراتيجية الجديدة.

اختبار الزمن: التحدي الاستراتيجي وفشل الاستجابة

​إن التاريخ لا يرحم؛ فهو يعلّمنا مرارًا أن الدول والمحاور الاستراتيجية لا تسقط بسبب التحديات بحد ذاتها، بل بسبب فشل الاستجابة المناسبة والملائمة لتلك التحديات الجوهرية. إن هجوم تدمر في 13 ديسمبر 2025 ليس مجرد “خسارة” عسكرية، بل هو اختبار تاريخي مزدوج للقوى التي أعلنت عن “التوليف الجديد” بين واشنطن ودمشق:
​التحدي الأمني الميداني: حيث كشفت الواقعة عن استمرار القدرة العملياتية للخلايا النائمة على الضرب في قلب مناطق التنسيق والوجود المشترك.
​التحدي السياسي/الاستراتيجي: وهو امتحان وجودي لتحالف وُلد حديثًا تحت ضغط الضرورة لا القناعة. فهل سيتحمل هذا التحالف الهش كلفة النصر البيروسي المتكرر الذي يستهلك طاقته السياسية ويقوّض ثقة الأطراف فيه؟
​إن هذا الحدث يفرض علينا تجاوز السؤال السطحي: من أطلق النار؟ والانتقال إلى السؤال الأعمق والأكثر استراتيجية: كيف ستُبنى الاستجابة؟
​إن طبيعة هذه الاستجابة هي التي ستحدد مصير التحالف والاستقرار في البادية السورية. فهل سنشهد:
​استجابة قاصرة: تقتصر على التصعيد العسكري الانتقامي دون معالجة الجذور، مما يكرر دائرة العنف المفرغة؟
​استجابة شاملة: تتجه نحو معالجة سياسية–اجتماعية عميقة لجذور العنف المستمرة في البادية، والتي لا تقتصر على الفكر المتطرف بل تنبع من ثلاثة تحديات متداخلة:
​الجذر الاقتصادي: الإفقار والتهميش وغياب الفرص، مما يجعل المجتمعات البدوية بيئة خصبة للتجنيد.
​الجذر الاجتماعي: غياب المصالحة وعدم الثقة في أجهزة الدولة، مما يغذي ثقافة الثأر ويسمح للتنظيمات بملء الفراغ الأمني والإداري.
​الجذر الجغرافي: الطبيعة الشاسعة والوعرة للبادية التي توفر عمقًا استراتيجيًا وملاذًا آمنًا لخلايا التنظيمات لضمان بقائها.
​الخيار الأصعب: أن تصل الاستجابة إلى إعادة تعريف شاملة لمفهوم “النجاح” في الحرب على الإرهاب، بحيث لا يُعتبر قتل المهاجم انتصارًا نهائيًا، بل نقطة انطلاق نحو بناء استقرار مستدام يقتلع هذه الجذور من الأساس.

​ تدمر: رمزية المكان وذاكرة الخراب

​إن اختيار تدمر مسرحاً لهجوم 13 ديسمبر 2025 ليس مجرد تفصيل جغرافي، بل هو رسالة رمزية مدوّية تُرسَل إلى كل من أعلن الانتصار. تدمر ليست مدينة عادية؛ هي مدينة الآثار المدمّرة، ومسرح الإعدامات العلنية، وذاكرة الانهيار الحضاري التي لا تُمحى.
​أن يستهدف تنظيم مهزوم دورية مشتركة بين واشنطن ودمشق في هذا المكان بالذات، بعد أن سيطر عليه في 2015 و2016 وشوّه آثاره، يعني أن الصراع في الشرق الأوسط يدور حول المعنى والذاكرة بقدر ما يدور حول السيطرة على الأرض.
​إن رسالة تدمر واضحة: التاريخ لا يُمحى بالقوة العسكرية وحدها. والفراغات التي تتركها الحروب في النسيج الاجتماعي والحضاري لا تبقى فارغة، بل تعود لتبتلع منتصريها وتُعيد إنتاج خصومهم. لا يمكن إغلاق ملف تدمر بالإعلان عن تصفية المهاجم، فالمكان يذكّر بأن السيادة الحقيقية لا تتحقق إلا بملء هذا الفراغ بـ المعنى الحقيقي للسلام والبناء والعدالة، لا بمجرد تبديل القوى المسيطرة. إنها دعوة للفهم العميق لتحدي الجذور الذي ناقشناه.

بين القوة وفهم التاريخ

​ما جرى في تدمر يوم 13 ديسمبر 2025 قد يُسجَّل في سجلات البنتاغون كـ “حادث أُغلق” بتصفية المهاجم، لكنه فلسفيًا واستراتيجيًا، هو جرس إنذار مُدَوٍّ يُعيد تعريف مفهوم النصر الحقيقي في هذا الشرق المركّب. لقد كشف الهجوم أن التحالفات الحديثة (كالتوليف الجديد بين دمشق وواشنطن) تظل هشة أمام التحدي الجوهري: الاكتفاء بالسيطرة العسكرية دون تحقيق الهيمنة الشاملة على الواقع الأمني والاجتماعي.
​إن النصر الحقيقي لا يُقاس بعدد القتلى أو النجاح التكتيكي؛ بل في القدرة على إغلاق الأبواب أمام احتمالية تحوّل كل انتصار لاحق إلى نصر بيروسي جديد يُنهك المنتصر. وهذا الإغلاق لن يتم إلا من خلال المعالجة الجذرية للفراغ الاقتصادي والاجتماعي في البادية.
​إن مسار التاريخ لا يرحم من يظن أنه انتصر قبل أن يفهم عمق التحديات التي يواجهها، ولا يسامح من يكتفي بالردود القاصرة دون معالجة الأسباب. وفي الشرق الأوسط، حيث الذاكرة أطول وأعمق من أعمار الجيوش، يبقى السؤال مفتوحًا على مصراعيه أمام القوى الفاعلة بعد حادث تدمر:
​هل سنتعلّم من هذا الامتحان التاريخي الصعب ونبني استجابة شاملة تُنهي العنف من جذوره؟ أم سنكتشف متأخرين أن لحظة إعلان الانتصار كانت مجرد البداية الباهظة لهزيمة استراتيجية قادمة؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top