معاداة السامية في ضوء اعتداء سيدني: بين الكراهية العنصرية وإدخال الضحايا في صراعات التأويل السياسي

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

عتمة سيدني وخطر تسييس المعنى

​في الرابع عشر من كانون الأول (ديسمبر) 2025 الحزين، لم تكن اللحظة المقدسة لاحتفال الجالية اليهودية بعيد الأنوار، «الحانوكا»، سوى هدف لوابل من الرصاص في شاطئ بوندي بيتش بسيدني. الرصاص الغادر لم يمزق الأجساد وحسب، بل حوّل الضياء إلى دماء، ومزّق معه قماشة الرصانة الفكرية التي يجب أن تحمي أي مفهوم أخلاقي. كانت الإدانة العالمية للفاجعة، التي سقط فيها 16 بريئاً وعدد من الجرحى، ضرورية وحتمية. ولكن العاصفة الحقيقية لم تبدأ مع صوت الرصاص، بل في اللحظة التي حاول فيها التأويل السياسي اختطاف الجريمة وإدخال الضحية الإنسانية في سوق المزايدات الخطابية.

​هذا الحادث المروّع هو مرآة زماننا بامتياز: حين يُسفّر الصراع الجيوسياسي العنيف من ساحاته المشتعلة إلى مجتمعات الشتات الآمنة، ليجعل من الأبرياء أهدافاً رمزية لغضب لا يجد سبيلاً آخر. وهنا يتجلى الخطر الأعظم الذي يهدد المجتمع بأكمله: خطر تآكل المعنى وفقدان البوصلة الأخلاقية.

​من الكراهية التاريخية إلى الإسراف السياسي

​إن مصطلح «معاداة السامية» (Antisemitism) وُلِد من رحم الكارثة، من كراهية بيولوجية-عنصرية استهدفت اليهود كجماعة عرقية ودينية، وبلغت ذروتها في محرقة الهولوكوست التي نعرف فظاعتها. إن التنديد بهذا الشر التاريخي المُميت لا يُقبل المساومة عليه.
​لكن المأزق الفكري اليوم ليس في إنكار الأصل، بل في «التوسّع الدلالي غير المنضبط» للمصطلح. فبعد أن كان أداةً لوصف الشر، بات يُحمّل اليوم عبئاً لا يحتمله، محوّلاً إياه إلى سيف قاطع يُشهر في وجه أي نقد يتجاوز الخطوط المرسومة.
​هذا التوسّع مدفوع جزئياً بمخاوف حقيقية من أن النقد الحاد لسياسات إسرائيل – خاصة إذا ما تضخم أو انحرف نحو شيطنة الدولة – قد يكون هو البوابة الخلفية لعودة الكراهية الكلاسيكية. هذه المخاوف مفهومة، لكنها لا تبرر استخدام المفهوم كأداة قمع فكري. فعندما نُفرط في استخدام مصطلح أخلاقي، كأن نُطلق صفة «إرهاب» أو «خيانة» جزافاً، نفقده قدرته على التفسير، ويتحول إلى مجرد وسيلة سياسية لتشويه الخصم وإسكات صوته. وهذا هو ما يهدد جوهر وظيفة «معاداة السامية» الأخلاقية.

النية والأخلاق: حين تصطاد السياسة في مياه الجريمة العكرة

​في حادثة سيدني، وجب على الجميع أن يُدين، وأن يعمل على حماية الجاليات اليهودية. لكن التحليل المسؤول لا يمكن أن يقف عند هذا الحد. إننا نسأل: هل نحن أمام كراهية عنصرية صِرفة، أم أمام غضب سياسي مؤدلج يبحث عن هدف رمزي متاح؟
​ما إن تأكد استهداف الجالية، حتى سارع مسؤولون إسرائيليون إلى القفز الفوري للربط بين الهجوم و«موجة العنف المعادية للسامية»، مؤكدين أن ما حدث هو اعتداء مروع على اليهود. هذا “القفز التأويلي” المغلق، الذي لا ينتظر تحقيقاً ولا يفحص النية، يخدم استراتيجية «توظيف التهمة في الخطاب السياسي»، حيث تُدار التهمة كآلية تلقائية لإغلاق أي مساحة للنقد الموجه للسياسات الإسرائيلية في أي بقعة من العالم.
​إن هذا التوظيف يقودنا إلى مأزق أخلاقي: متى يكون الفعل معادياً للسامية؟ لا يمكن توصيف فعل ما بـ «معاداة للسامية» توصيفاً أخلاقياً مشروعاً إلا إذا ثبت، عبر التمحيص القضائي والتحليل الجذري، أن النية العاقلة للفاعل قد استهدفت اليهود بوصفهم جماعة إثنية أو دينية، لا بوصفهم مجرد رمز سياسي متخيَّل لسلطة أو دولة. إن هذا التمييز هو جوهر المبدأ الأخلاقي الذي يؤكد أن القيمة الأخلاقية للفعل تتأسس على النية وغاية الفاعل؛ فإذا ضاعت النية في فوضى التأويل السياسي، فقدت الجريمة توصيفها الدقيق. وعليه، فإن هذا الفصل – على الرغم من فداحة الجريمة وفظاعتها – هو ما يُحدد توصيفها القانوني والأخلاقي ببوصلة لا تخطئ.
​المرآة المزدوجة: صراع الذاكرة وتحويل الأبرياء إلى رهائن رمزية
​إنّ العنف المعاصر، بما يحمله من حمولات جيوسياسية، يكشف عن تحوّل بنيوي مقلق: تفكك الغضب السياسي الأصيل. فعندما يعجز هذا الغضب عن استهداف فاعليه المباشرين في ساحات الصراع، فإنه ينزلق انزلاقاً خطيراً ليصبح كراهية هويّاتية تبحث عن هدف رمزي متاح وأسهل. هذه هي سيكولوجيا «الانتقام البديل»، أو ما يُسمى «الغضب السياسي المنحرف»؛ حيث يتحول يهود الشتات إلى رهائن رمزيين، تُسقَط عليهم، ظلماً وعدواناً، مسؤولية أفعال وسياسات دول لا يشاركون في صنعها. إننا أمام ظاهرة تعمّد تحويل الأفراد إلى رموز مستهدفة لتفريغ غضب عاجز، وهذا التحويل هو أسوأ أشكال خلط الأوراق.
​يزيد الأمر تعقيداً صراع بين ذاكرتين: ذاكرة «المحرقة» التي تؤكد الضعف التاريخي المطلق لليهود، وصورة إسرائيل المعاصرة التي تجسد القوة العسكرية المهيمنة. هذا التناقض يخلق ارتباكاً أخلاقياً؛ حيث تُمحى الحدود بين «يهودية الدولة» و«يهودية الشعب»، ليقع اليهودي تحت عبء هوياتي مزدوج: عبء الدفاع أو الاتهام عن سياسات ليست سياساته بالضرورة. ولهذا، فإن على الخطابات كلها مسؤولية عظيمة في عدم طمس هذا التمييز، وفي عدم المساهمة في تعميم الصورة النمطية التي تُغذّي سيكولوجيا الانتقام البديل.

​سيناريوهات المستقبل والبديل المفاهيمي

​يفتح تطور الذكاء الاصطناعي أفقين حادين في إدارة الصراع الخطابي: فإما أن يُعمِّق الأزمة عبر إنتاج محتوى متطرف عالي الكفاءة يُغذّي حجرات الصدى الرقمية، أو أن يساهم في الحل عبر كشف أنماط التحيّز والخطاب التحريضي بدقة غير مسبوقة. لكن على المدى الطويل، يبقى أخطر السيناريوهات هو التآكل الأخلاقي لمفهوم معاداة السامية ذاته، حين يفقد قوته الإجرائية والأخلاقية بسبب الإفراط في استخدامه كأداة سياسية.
​لذا، إذا تآكلت القوة الأخلاقية للمصطلح، يصبح البديل الضروري هو العودة إلى الإطار الأعمق والأكثر شمولية: قوانين مناهضة الكراهية (Hate Crime Legislation). هذا الإطار يحمي جميع الجماعات الإثنية والدينية من العنف القائم على التحيز والتمييز، دون الحاجة إلى اختراع مصطلح خاص، مما يضمن حيادية القانون.

واجب الوفاء للمعنى والضحية

​إن اعتداء سيدني ليس مجرد مأساة إنسانية عابرة، بل هو تحذير من التآكل الأخلاقي الذي يهدد مفاهيمنا الأساسية. فالخطر الحقيقي يكمن في إفراغ “معاداة السامية” من قوتها الأخلاقية عبر الإسراف في توظيفها سياسياً، وتحويلها إلى أداة لعرقلة النقد. إننا مطالبون بـ واجب أخلاقي مزدوج: الإدانة المطلقة للعنف والكراهية التي تستهدف اليهود كجماعة، وفي الوقت ذاته، الحفاظ على البوصلة الفكرية التي تفرق بين النقد المشروع لسياسات دولة ما، وتلك الكراهية العنصرية. فحين نفقد الدقة في التوصيف، نفقد العدالة في التطبيق. وعليه، فإن الدفاع الحقيقي عن الضحايا لا يكون بتعليق ملكة التفكير، بل بالعودة إلى الإطار الأعمق والأكثر شمولية: قوانين مكافحة الكراهية للجميع. هنا فقط، نُدين الجريمة دون أن نتحول إلى أدوات خطابية، وتصبح الفلسفة وفاءً للضحايا، لا خيانة للمعنى.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top