
كتب د. عبدالله بارودي
لم تكن قضية “أبو عمر” التي شغلت الأوساط السياسية والإعلامية، وحازت على اهتمام الرأي العام هي الأولى من نوعها في لبنان !..
نفس الجهة التي حاول “ميكانيكي” وادي خالد ان يستغلها لإبتزاز ضحاياه لأهداف مادية وهي المملكة العربية السعودية وقعت ضحية شخصيتين وهميتين ابتداءًا من العام 2019 في لحظة سياسية شديدة الحساسية، بدأت فيها العلاقات اللبنانية السعودية تشهد تراجعًا ملحوظًا على كافة المستويات.
الشاعر الأمير طلال بن سلطان بن عبد العزيز الذي أتى الى لبنان بإعتباره نجل الأمير الراحل سلطان بن عبد العزيز آل سعود وجرى استقباله وتكريمه من قبل العديد من الشخصيات اللبنانية وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الأسبق أمين الجميّل وعقيلته. ليتبيّن لاحقًا انه منتحل صفة، و يتبع لجنسية عربية أخرى، ولا يمت للأسرة الحاكمة السعودية بأي رابط عائلي، كما أنه ليس من أبناء الأمير سلطان بن عبد العزيز.
وقد أصدرت السفارة السعودية في لبنان حينها بيانًا رسميًا كشفت من خلاله حقيقة الرجل وحذّرت الجميع من التعامل معه !..
السيد فهد الركف، شخصية سعودية أطلّت فجأة عبر قناة لبنانية مشهورة في مداخلة سياسية مُعرّفًا عن نفسه بأنه مكلّف من القيادة السعودية رسميًّا بالملف اللبناني – وتشير بعض المعطيات الى ان صاحب هذه المحطة زار الركف في العاصمة السعودية الرياض.
ما هي الا أيام قليلة وتصدر السفارة السعودية في لبنان بيانًا تؤكد فيه ان الركف لا يحمل أي صفة رسمية وغير مكلّف بالملف اللبناني وكل ما يصدر عنه من مواقف يعبّر عن وجهة نظر شخصية !..
“أبو عمر”، آخر العمليات الإحتيالية وأطولها والتي أضحت المعلومات عنها شبه معروفة بتفاصيلها عند الجميع لجهة حقيقة الرجل وأصله ومهنته – “ميكانيكي” من وادي خالد – و”مشغّله” القاضي الشرعي الذي أعلن عن تقدمه بشكوى أمام النيابة العامة متهمًا بعض الأطراف بمحاولة تصفيته سياسيًا عبر تهديده بشتى الوسائل !..
حتى الضحايا مع كثرتهم باتت أسماءهم مسجلة ومتداولة لدى معظم اللبنانيين، من رؤساء حكومات، وزراء، نواب وطامحين لدخول الندوة البرلمانية.
هذه القضية كشفت عن “خفّة” غير مسبوقة لدى معظم الشخصيات اللبنانية، دفعوا عشرات ومئات آلاف الدولارات ثمن مكالمات هاتفية وتواصل مع رجل أوهمهم بأنه مقرّب من دوائر الديوان الملكي السعودي ويمكن له بإتصالاته ان يحقق لهم أمانيهم وأحلامهم بالوصول الى كراسي الحكم والمسؤولية !..
السؤال الأساس في هذه القضية، لماذا لم يبادر هؤلاء السياسيين بالإتصال بالسفير السعودي وليد بخاري وأغلبيتهم تجمعهم علاقة جيدة به ليتأكدوا من طبيعة الرجل وحقيقة عمله؟..
وحدها السيدة بهية الحريري بحسب معلومات “ديمقراطيا نيوز” وبعد ان اتصل بها ” أبو عمر” ليقدم لها تعازيه بوفاة زوجها المرحوم ” أبو مصطفى” بإسم الديوان الملكي السعودي، بادرت فورًا الى الإتصال بالسفير بخاري للتأكد فن فحوى وطبيعة المكالمة. فكان الجواب بأن المعلومات غير دقيقة تمامًا. لتبدأ معها رحلة البحث عن “أبو عمر”، ثم جاءت المحطة التالية عبر الوزير السابق محمد شقير ، ثم المحطة الأخيرة من خلال أحد رجال الأعمال في عكار .
الأهم من كل ذلك، ما علمه “ديمقراطيا نيوز” من مصادر موثوقة بأن “أبو عمر” تدّخل في عملية الإستشارات النيابية الملزمة الأخيرة الي أفضت الى تسمية الرئيس نواف سلام.
لكن المعلومات نفسها أكدت ان تدخل “أبو عمر” لم يغيّر في طبيعة التسمية.. كيف؟
بعد اعلان النائب جبران باسيل بأن كتلة التيار الوطني الحر ستسمي القاضي نواف سلام لرئاسة الحكومة، أصبحت النتيجة محسومة لصالح الأخير..
كتلة نيابية كانت في طريقها الى قصر بعبدا لتسمية الرئيس نجيب ميقاتي، و حين علم أعضاؤها بقرار باسيل، بادر أحدهم بالإتصال ب”أبو عمر” ليستفسر منه عن ما حصل، فسأله “أبو عمر” عن الشخصية التي سيسمّونها، فأجابه النائب كنّا نود تسمية ميقاتي باعتباره ابن الشمال وتجمعنا به علاقة وطيدة و قوية. فطلب منه “ابو عمر” بلغة فيها الكثير من الحدّية والعتب بعدم تسمية ميقاتي والذهاب نحو خيار سلام .. وهذا ما كان !..
بعدها اتصل نائب من نفس الكتلة بالسفير بخاري وأبلغه بما حصل، فما كان من بخاري الا أن أكد له بعد مراجعة سريعة بأنه لا توجد شخصية سعودية رسمية تطابق المواصفات او المعلومات التي أوردها. وقد أبلغ النائب المذكور فورًا زملاءه في الكتلة بأنهم وقعوا ضحيّة عملية نصب واحتيال كبيرة !…
ثمة من يسأل، كيف يمكن لدول شقيقة أو صديقة ان تنظر الى هذه الطبقة السياسية؟ نظرة قرف، استهزاء، وعدم مبالاة..
بل وأكثر !..
