لبنان وسفينة ثيسيوس: رحلة الهوية بين التآكل والإرادة

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​أسطورة ثيسيوس.. اللغز الذي حيّر العقول

​تُعتبر إشكالية “سفينة ثيسيوس” (Ship of Theseus) واحدة من أعمق التجارب الفكرية في تاريخ الفلسفة. وقد وُثقت القصة لأول مرة على يد المؤرخ اليوناني بلوتارخ، الذي أشار إلى أن الفلاسفة منذ زمن بعيد قد ناقشوا معضلة السفينة الأثينية التي عاد بها البطل ثيسيوس من جزيرة كريت منتصراً.
​تقديراً له، قرر الأثينيون الحفاظ على سفينته كرمز وطني. ومع مرور السنوات، بدأت أخشاب السفينة تتآكل بفعل الملح والرطوبة؛ فكان الأثينيون، كلما تآكل لوح خشبي، يستبدلونه بآخر جديد وقوي. استمرت هذه العملية لعقود طويلة حتى جاء يومٌ لم يعد فيه لوحٌ واحد من الأخشاب التي لمسها ثيسيوس موجوداً في السفينة.
​هنا انقسم الفلاسفة إلى معسكرين:
​المعسكر الأول: يرى أنها لا تزال “سفينة ثيسيوس” لأن شكلها ووظيفتها واسمها لم يتغيروا.
​المعسكر الثاني: يرى أنها سفينة جديدة تماماً، لأن مادتها الأصلية تلاشت.
ثم زاد الفيلسوف توماس هوبز العقدة تعقيداً بسؤاله الشهير: “لو أن شخصاً جمع الألواح القديمة وأعاد بناء سفينة ثانية منها.. أي السفينتين هي السفينة الأصلية؟”.

​لبنان : عندما تصبح الأسطورة واقعاً معيشاً

​عند تطبيق هذا الإطار الفلسفي على الحالة اللبنانية اليوم، ونحن نودع عام 2025، نكتشف أننا لسنا أمام مجرد تشبيه شعري، بل أمام نموذج تحليلي دقيق يكشف الصراع بين التغير المادي والاستمرارية السردية.

​1. المادة البشرية: ألواح السفينة بين الهجرة والتبدل

في فلسفة المادة، الهوية تكمن في المكونات. وفي لبنان، “المادة” هي الإنسان. إن الهجرة الجماعية للشباب والمهنيين التي بلغت ذروتها تشبه استبدال ألواح السفينة الأساسية واحدة تلو الأخرى. التساؤل الفلسفي يصبح هنا وجودياً: عندما يتغير النسيج البشري المؤسس للمهارات والذاكرة، هل يبقى “الجوهر اللبناني” قائماً؟ إننا نختبر “المادية” في أقصى صورها؛ حيث المادة البشرية المهاجرة لا تبني سفينة منافسة، بل تذوب في محيط عالمي، مما يجعل الاستبدال خسارة وجودية للهوية الأصلية.

​2. الشكل والوظيفة: محرك الدولة المعطّل

المقاربة الثانية ترى الهوية في الوظيفة. السفينة تبقى هي نفسها إذا استمرت في الإبحار. وهنا يكمن انكسارنا الأكبر؛ لقد تغيرت وظيفة الدولة اللبنانية من مُوفّر للأمن والخدمات إلى هيكل خامل. المحرك الاقتصادي القديم استُبدل بـ”بروتوكولات بقاء” قسرية (الدولرة، الاقتصاد الموازي، التحويلات). ورغم بقاء الاسم والعلم، إلا أن الوظيفة التي تحدد هوية الدولة الحديثة شبه متوقفة، مما يضع الهوية اللبنانية تحت ضغط فلسفي هائل.

​3. صراع السرديات: أي النسخ هي “الأصل”؟
هنا يبرز سؤال “هوبز” حول السفينة المُعاد بناؤها من الألواح القديمة. لبنان اليوم يعيش انفصاماً سردياً حاداً بين:

​سفينة الذاكرة: التي يحتفظ بها المغتربون والأجيال الأكبر، وهي مصنوعة من “أخشاب” الماضي المثالي، لكنها منفصلة عن الواقع.

​سفينة الواقع: التي يبنيها من بقوا من “ألواح” الصمود والتكيف اليومي المجهد.

الخطر الفلسفي يكمن في انقطاع الخيط السردي؛ فإذا لم تعد هناك حكاية مشتركة تربط الماضي بالحاضر، تتفكك الهوية ويصبح “لبنان” مجرد اسم لكيانين مختلفين.

الاعتراف كفعل مقاومة وجودية

​لماذا نستمر في مناداة هذا الكيان بـ “لبنان” رغم أن كل ركائزه المادية قد تبدلت؟ الجواب يكمن في مفهوم “الاعتراف المستمر”. إن الهوية في شتاء 2025 لم تعد جوهراً ثابتاً نرفل في نعيمه، بل تحولت إلى “عملية ترميم” قسرية ويومية.
​إن الدرس اللبناني الأعمق يتلخص في أن الهوية، في ذروة الارتطام، تنتقل من حالة “الكينونة” الساكنة إلى حالة “الفعل” المقاوم. سفينة ثيسيوس اللبنانية، رغم ندوبها وتآكل أخشابها الأصلية، تظل “لبنانية” لأن ركابها سواء من يقبضون على جمر البقاء في الداخل، أو من يحملون بوصلتها في أصقاع الاغتراب يرفضون قطع خيط السردية. الهوية هنا ليست “متحفاً” يحرس الألواح الميتة، بل هي “ورشة بناء” صاخبة تصرُّ على الإبحار بالهيكل المتاح، مهما عصفت الريح.

​نداء إلى ركاب ثيسيوس: الإبحار هو القدر

​إلى الشباب اللبناني، المقيمين في “ورشة الصمود” على الأرض، والمغتربين الذين يحملون “الألواح العتيقة” في ذاكرة حقائبهم:
​نحن في أواخر عام 2025، لا نواجه مجرد تصدع اقتصادي أو عجز سياسي، بل نمر بمخاض “الهوية الكبرى”. نحن الجيل الذي شَهِد تبديل ملامح السفينة وهي في قلب العاصفة؛ تبدلت العملة، وتغيرت معالم الشوارع، وغابت وجوه رفاقٍ مضوا، حتى خُيّل للبعض أن “لبنان” صار جثة لاسمٍ قديم.
​لكن فلسفة ثيسيوس تمنحنا صك الاستمرارية:
​أنت الاستمرارية البنيوية: لا ترثوا الألواح المتآكلة، فالهوية لا تسكن الخشب بل تقطن في “المخطط” و”الإرادة”.لبنان هو “الخلايا الحية” التي تتجدد فيكم ليبقى الجسد نابضاً. إن إصراركم على الابتكار وسط الركام هو ما يمنح السفينة هويتها.
​الترميم هو أسمى آيات الوفاء: لمن يقول “هذا ليس لبناننا”، نجيب: “الهوية ليست تحفةً خلف الزجاج”. إن اجتهادكم اليوم في خلق اقتصاد بديل، واستمداد النور من شمسكم، والتمسك بالثقافة وسط القحط، هو فعل “الترميم المقدّس”. السفينة التي تُصلح أعطالها وسط المحيط الهائج هي أكثر شرعية وشجاعة من تلك المستكينة في الموانئ الهادئة.
​حراسة السردية: إن الخطر الوجودي في 2025 ليس الفقر بحد ذاته، بل “الأنيميا الثقافية” وانقطاع الذاكرة. لا تتركوا مرارة الواقع تقضم صلتكم بسردية الإبداع اللبناني. أنتم الجسر المعلق بين “لبنان الذاكرة” و”لبنان الممكن”. إذا كففتم عن رواية قصة لبنان، حينها فقط تغرق السفينة وتتحول إلى مجرد حطام في سجلات النسيان.
​ختاماً..
يا شباب لبنان، تذكروا دائماً أن السفن لا تغرق بسبب المياه التي تحيط بها، بل بسبب المياه التي تتسلل إلى أعماقها. حافظوا على صفاء “جوهركم” الداخلي، واستبدلوا الألواح المنكسرة بصلابة العلم، ومرونة الابتكار، ودفء التضامن.
​لبنان ليس مرفأً نصل إليه ونستريح، بل هو “فلسفة في الإبحار”. وطالما أن فيكم نبضاً يقاوم، فإن سفينة ثيسيوس اللبنانية ستبقى بكل أخشابها الجديدة سيدة البحار التي لا تقهر.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top