
يتصاعد الحراك الأوروبي باتجاه لبنان في مرحلة شديدة الخطورة، لا يقتصر الاهتمام فيها على منع اندلاع حرب جديدة في الجنوب، بل يمتد إلى التفكير بما بعد انتهاء ولاية قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل)، وإمكان حصول فراغ أمني وسياسي في حال عدم إيجاد صيغة بديلة تحفظ الاستقرار وتمنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة.
وبحسب المعطيات المتداولة في الأوساط الدبلوماسية، يأخذ هذا الحراك منحى عمليًا، مع بحث الأوروبيين في خيارات واقعية قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن انتظار التسويات الكبرى. وتبرز في هذا الإطار أفكار حول تشكيل قوة عسكرية تعمل تحت علم الاتحاد الأوروبي، أو قوة متعددة الجنسيات خارج الإطار الأممي التقليدي، إنما بالتفاهم مع الدولة اللبنانية وباتفاقات ثنائية واضحة تحدد المهام والصلاحيات.
الطروحات الأوروبية الجديدة لا تستنسخ تجربة “اليونيفيل” بتركيبتها الحالية، بل تميل إلى نموذج أكثر مرونة وأقل عددًا، يركّز على الدعم والمراقبة والتنسيق مع الجيش اللبناني باعتباره الجهة الشرعية الوحيدة المسؤولة عن الأمن وبسط سلطة الدولة.
دول كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا أبدت استعدادها للبقاء في لبنان بعد انتهاء ولاية “اليونيفيل”، مستفيدة من خبرتها الطويلة في الجنوب وعلاقاتها مع مختلف الأطراف، فيما تميل ألمانيا إلى الاستمرار من خلال الدور البحري، ما يعكس توجهًا نحو تنويع أشكال الوجود العسكري الأوروبي لتخفيف الاحتكاك المباشر وتعزيز مهام المراقبة والدعم اللوجستي.
الحضور العسكري الأوروبي، حتى لو جرى خارج المظلّة الأممية، لا يُقرأ فقط كإجراء أمني، بل كرسالة سياسية أيضًا. فهو يعكس الثقة الدولية المتزايدة بالجيش اللبناني وقدرته على الشراكة، ويؤمّن مظلة ردع غير مباشرة تساهم في تثبيت الهدوء في الجنوب وتحدّ من احتمالات التصعيد، فضلًا عن كونه عامل طمأنة للبنان في ظل اضطراب إقليمي متصاعد.
في موازاة هذا الحراك، برز تأثير روحي ــ دبلوماسي ناعم تمثّل في زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، والتي ساهمت، بحسب المعلومات، في خفض منسوب التوتر والتهويل من حرب إسرائيلية جديدة. فالكرسي الرسولي، المعروف بدبلوماسيته الهادئة، واصل اتصالاته مع دول القرار، خصوصًا تلك ذات النفوذ في لبنان والمنطقة، لدفع مسارات الحوار وتشجيع الحلول السلمية.
أما على الصعيد الإقليمي، فنقلت أوساط سياسية لبنانية عن زائر غربي رفيع زار بيروت والتقى مسؤولين إسرائيليين، أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لا تبدو متحمّسة لخوض حرب جديدة في لبنان أو ضد إيران، نظرًا إلى إنهاكها بعد أكثر من سنتين من القتال واستنزافها البشري واللوجستي، في حين يصرّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على التصعيد بدوافع سياسية وشخصية مرتبطة بملفاته القضائية والانتخابات المقبلة.
هكذا، يبدو المشهد مفتوحًا على مسارين متقابلين: مسار أوروبي ــ دولي يسعى إلى تثبيت الاستقرار ومنع الفراغ الأمني في الجنوب، ومسار تصعيدي تحكمه حسابات داخلية إسرائيلية ضيقة. وفي هذا السباق، يراهن لبنان على الثقة المتزايدة بجيشه، وعلى تحرّكه الدبلوماسي وعلاقاته الدولية، لتجاوز المرحلة بأقل كلفة ممكنة ومنع تحوّل الجنوب مجددًا إلى ساحة حرب مفتوحة.
المصدر:
داوود رمال – جريدة نداء الوطن
