لبنان 2025: عبور ضفاف الطائفة نحو فلسفة الدولة

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​يفتتح ماكس فيبر فلسفته السياسية بتعريف الدولة بوصفها الكيان الحصري الذي يمتلك “حق احتكار العنف الشرعي”؛ وهو تعريف يمنح الدولة الحق القانوني والأخلاقي في فرض النظام. غير أن الحالة اللبنانية، ونحن نلمس مشارف نهايات عام 2025، تقدم نموذجاً مقلوباً؛ فالدولة هنا لا تشكل “العلة الأولى” للوجود السياسي، بل تظهر كـ “قشرة مؤسساتية” تغطي صراعات كيانات أقدم وأكثر تجذراً: “الطائفة” بوصفها ملاذاً وجودياً، و”الزعيم” بوصفه المانح الوحيد للأمان والموارد.

​أركيولوجيا السلطة: في مديح “ما قبل” العقد الاجتماعي

​باستعارة المنهج “الأركيولوجي” لميشال فوكو أي الحفر في الأصول التاريخية التي شكلت وعينا الحالي نكتشف أن “السلطة في لبنان” تشكلت بنيوياً ضد مفهوم الدولة لا داخله.
​منذ نظام “المتصرفية”، لم يُخلق اللبناني كـ “فرد قانوني” متساوٍ، بل ولد كـ “ذات طائفية” محميّة. هنا، دُفنت فكرة “العقد الاجتماعي” (الذي يفترض تنازل الأفراد عن قوتهم للدولة مقابل الأمان) قبل أن تبصر النور. بدلاً منها، وُلد “عقد إذعان” للجماعة؛ فالأمان ليس حقاً تمنحه المواطنة، بل امتياز توفره المحاصصة. في هذا الفضاء، لا يتجلى الزعيم كقائد لمشروع وطني، بل كـ “سمسار هويّة”. وظيفته ليست بناء دولة، بل “إدارة المخاوف” وصيانة الجدران بين المكونات، ليتحول إلى وكيل حماية يتفاوض مع الخارج بصفته ضامناً لمصالح فئة، لا رجل دولة.

​لاهوت التعطيل و”تقنية الفراغ”

​لقد انزاح “الميثاق الوطني” عن مقصده كعقد للعيش المشترك، ليستحيل إلى “ميتافيزيقا تعطيلية”؛ أي قوة غيبية تُوضع فوق الدستور لتبرير الشلل. وتتحقق هنا رؤية كارل شميت حول “حالة الاستثناء”، حيث يتم تعليق القانون باسم “الضرورة”.
​في لبنان، تمارس النخبة السلطة عبر “تقنية الفراغ”؛ فالعجز عن انتخاب رئيس، أو تجميد تحقيقات مرفأ بيروت، ليس “فشلاً” تقنياً، بل هو أداة حكم واعية. الهدف هو إيصال المجتمع إلى حالة إنهاك كلي، يتقبل معها أي تسوية خارج الأطر القانونية. هذا التعطيل يمتد لكل مفاصل الحياة؛ من طابور الدواء إلى انتظار “ساعة تغذية” كهربائية، حيث يصبح غياب الخدمة العامة وسيلة لإجبار المواطن على العودة لطلبها من “قنوات الزعيم” الخاصة.

​سوسيولوجيا الوجود: “ليفياثان” الطوائف وغريزة البقاء

​يصوّر توماس هوبز الدولة بوصفها “الليفياثان” (الوحش الضروري) الذي يرهب الجميع ليمنعهم من الفتك ببعضهم. أما في لبنان، فقد انشطر هذا الوحش؛ فبدلاً من دولة مركزية، نبتت “ليفياثانات طائفية مصغرة”.
​ومع بلوغ الانهيار المالي ذروته في 2025، سقطت المواطنة لصالح “الزبائنية الوجودية”. يتوقف اللبناني عن البحث عن حقوقه في الدستور، ليطرق باب “الزعيم-المحسّن” بحثاً عن قسط مدرسي أو سرير مستشفى. هنا تقع الكارثة: يتحول الولاء السياسي من قناعة فكرية إلى “غريزة بقاء خام”. إننا نعيش نكوصاً يعيدنا لمرحلة ما قبل الدولة، حيث تصبح الجماعة الطائفية هي “شركة التأمين” الوحيدة ضد الموت جوعاً.

​اقتصاد الخراب: تراكم التحلل

​إذا كان الإنتاج هو شرط السيادة، فإن النخبة اللبنانية اجترحت معجزة عكسية؛ نظاماً يقتات على “الريع” والتحلل. في لبنان 2025، لم يعد الخراب مؤشراً على نهاية النظام، بل استحال إلى “محرك” وجودي له.
​لقد تمت عولمة “اقتصاد الكاش” وتحويله إلى ملاذ بعيد عن الرقابة. في هذا المشهد، يتحول الفقر إلى أداة سيطرة؛ فكلما ازداد إفقار المجتمع، انخفضت كلفة شراء الولاءات. إنه “الاستثمار في الحطام”، حيث تصبح ندرة الموارد (خبز، وقود، دواء) هي الوسيلة المثلى لضبط الجماهير وإبقائها في حالة استجداء دائم فوق ركام المؤسسات.

“ما بعد الدولة” كقدر؟

​لبنان الحالي هو “نظام ما بعد-دولتي” (Post-State System)؛ كائن هجين يحتفظ بـ “شكل” الدولة (حقائب دبلوماسية، كراسي دولية) فقط لاستخدامها كدرع يمنع تحقق “جوهر” الدولة.
​إن “دولة القانون” تعني بالضرورة “موت السمسار”، وهذا هو الخطر الوجودي الذي تخشاه النخبة. في لبنان 2025، لم تنهَر الدولة تحت وطأة الأزمات، بل لأنها لم تُرَد يوماً كغاية. ما نشهده هو “فلسفة حكم بالانهيار”، حيث تنتعش السلطة كلما توغلت الدولة في الغياب.
​يبقى السؤال المعلق فوق أنقاض بيروت: هل يمكن لمجتمع نبت في مسام “اللا-دولة” أن يبتكر عقداً اجتماعياً جديداً من قلب الانهيار، أم أننا أمام شكل “مستقر” ونهائي من الخراب المنظم؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top