
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
في خطوة أحدثت زلزالاً دبلوماسياً في منطقة حوض البحر الأحمر، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في السادس والعشرين من ديسمبر لعام 2025، اعتراف بلاده رسمياً بـ «جمهورية أرض الصومال» (Somaliland). هذا الإعلان يتجاوز في أبعاده مجرد الاعتراف بكيان سياسي يطالب بالاستقلال منذ عام 1991؛ إذ يمثل اختراقاً استراتيجياً لما يُعرف في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بـ “الدائرة الثالثة”.
وتُعد هذه الدائرة هي النطاق الجغرافي الأكثر تعقيداً في حسابات تل أبيب؛ فهي تضم الدول التي لا تشترك مع إسرائيل في حدود مباشرة، لكنها تمثل حجر الزاوية في أمنها القومي بعيد المدى، سواء عبر مراقبة القوى الإقليمية المنافسة كإيران، أو تأمين الممرات المائية الحيوية. إن هذا التحول يضع المنطقة برمتها أمام سيناريوهات مفتوحة، تتأرجح بين وعود الانتعاش الاقتصادي تحت مظلة “المحاور الجديدة”، وبين مخاطر التحول إلى ساحة صراع دولي بالوكالة في قلب أحد أكثر ممرات العالم حيوية.
خرق العزلة: من “عقيدة المحيط” إلى “التموضع المباشر”
تاريخياً، لم يكن هذا التحرك وليد الصدفة؛ فقد سعت إسرائيل منذ حقبة “ديفيد بن غوريون” إلى صياغة ما عُرف بـ “عقيدة المحيط” (Periphery Doctrine)، وهي استراتيجية تقوم على بناء تحالفات صلبة مع دول غير عربية في الأطراف الجغرافية للشرق الأوسط لكسر طوق العزلة العربي. واليوم، يعيد التوقيت الحالي إحياء هذه العقيدة بصورة أكثر هجومية؛ ففي ظل الضغوط المتصاعدة التي تواجهها تل أبيب في “دوائرها القريبة”، باتت تبحث عن “متنفس استراتيجي” يتجاوز حدود الصراع التقليدي ويمنحها قدرة على المناورة في مناطق النفوذ البعيدة.
ويبرز الدافع الأهم في سعي تل أبيب الحثيث لإيجاد “نقطة ارتكاز جيوسياسية” تشرف مباشرة على خليج عدن وتجاور مضيق باب المندب، الذي يمثل شريان الحياة للتجارة العالمية. ومن الناحية العسكرية، لا يعد هذا الوجود مجرد تمثيل دبلوماسي، بل هو تدشين لـ “منصة وثوب متقدمة” تتيح لإسرائيل إدارة التحديات الأمنية المتفاقمة في الممرات المائية، والمواجهة المباشرة مع التهديدات التي تستهدف أمن الملاحة الدولية. إن تثبيت موطئ قدم في “هرجيسا” يمنح أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية “رادارات بشرية وتقنية” فائقة القدرة لمراقبة النشاطات في حوض البحر الأحمر والمحيط الهندي، مما يؤمن خطوط الإمداد الحيوية القادمة من الأسواق الآسيوية، ويحول إسرائيل من مجرد “مدافع” عن سفنها إلى “لاعب متحكم” في أمن الممر المائي برُمته.
«بربرة» كبوابة للجيواقتصاد والسيادة الهجينة
لا يمكن فصل الفعل السياسي عن “الجغرافيا الاقتصادية”؛ وهي العلم الذي يربط بين الموقع الجغرافي للدولة وقدرتها على إنتاج الثروة والنفوذ. فأرض الصومال تشرف على ممرات بحرية يتدفق عبرها شريان حيوي من التجارة الدولية، والاعتراف الإسرائيلي هنا ليس مجرد “مباركة سياسية”، بل هو الضوء الأخضر لتدشين استثمارات تقنية ولوجستية ضخمة في ميناء “بربرة”. هذا التوجه يهدف إلى ربط المصالح الإسرائيلية والشركات العالمية بمشاريع بنية تحتية عابرة للحدود، قد تُعيد هندسة المنطقة اجتماعياً واقتصادياً.
إن الغاية الاستراتيجية تكمن في تحويل “بربرة” إلى منافس شرس للموانئ التقليدية في المنطقة، من خلال ربط الملاحة المنطلقة من “إيلات” بشبكة لوجستية متطورة تمتد إلى عمق القارة الأفريقية، وتحديداً نحو “إثيوبيا”؛ وهي النموذج المثالي لـ “الدولة الحبيسة” (Landlocked State)—أي الدولة التي تفتقر إلى منفذ مائي سيادي يربطها بالعالم الخارجي، مما يجعل أمنها القومي رهناً لدول الجوار.
هنا، يبرز تشكل ما يمكن تسميته بـ “المحور الثلاثي الجديد” (إسرائيل-إثيوبيا-أرض الصومال). والمحور في لغة السياسة هو تحالف بين عدة أطراف يهدف إلى تغيير موازين القوى القائمة؛ حيث تجد إسرائيل موطئ قدم، وتحصل أرض الصومال على شرعية دولية وموارد، وتتحرر إثيوبيا من “عقدة الجغرافيا” بالحصول على منفذ بحري دائم. هذا المحور لا يعيد رسم خارطة المصالح فحسب، بل يفرض واقعاً جيوسياسياً جديداً قد يُهمش أدواراً إقليمية تاريخية ويجعل من القرن الأفريقي ساحة لإعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى.
مشروع «الأرض البديلة» وهواجس الهندسة الديموغرافية
تتجاوز المخاوفُ الجيوسياسية حدودَ القواعد العسكرية والموانئ لتصل إلى ملفات أكثر تعقيداً وحساسية، حيث تشير تقارير صادرة عن مراكز فكر دولية إلى احتمالات ترتبط بما يُعرف بـ “مشروع الأرض البديلة”. والمقصود هنا هو محاولة إيجاد حيز جغرافي خارج فلسطين التاريخية لاستيعاب الكتلة البشرية المشرّدة، وتحديداً من قطاع غزة. ورغم النفي القاطع والمستمر من قِبل القيادة السياسية في “هرجيسا” لهذه الطروحات، إلا أن القلق لا يزال يساور المراقبين من أن تتبنى تيارات اليمين المتشدد في الحكومة الإسرائيلية هذا الخيار كـ “سيناريو استراتيجي” طويل الأمد، ضمن ما يمكن تسميته بصفقات “الاعتراف السياسي مقابل التوطين”.
إن مجرد طرح هذه التصورات، حتى وإن ظلت في طور التكهنات، يفتح الباب أمام عمليات “الهندسة الديموغرافية” (Demographic Engineering)؛ وهي التغيير المتعمد في التركيبة السكانية لمنطقة ما لتحقيق أهداف سياسية أو عرقية. وهذا الأمر يثير توترات اجتماعية وسياسية حادة في الداخل الصومالي، إذ يرفض المجتمع المحلي تحويل بلاده إلى “مختبر لحل أزمات دولية” على حساب هويته الثقافية ونسيجه الاجتماعي الفريد. إن الخشية من تحويل “أرض الصومال” إلى مساحة للمساومات السكانية قد يولد اضطرابات داخلية عنيفة، تقوض حلم “الدولة المستقرة” الذي عكف السكان على بنائه منذ استقلالهم الذاتي عام 1991، ويضع الانتماء القومي في صدام مباشر مع إغراءات الاعتراف الدولي.
الكيان الوظيفي» والسيادة في مهب الريح
في ظل استمرار كفاح “أرض الصومال” للحصول على اعتراف دولي يكسر فيتو الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، يبرز خطر تحولها إلى “كيان وظيفي” (Functional Entity)؛ وهو مصطلح يصف الطرف الذي يقبل بأدوار استراتيجية أو عسكرية محددة لخدمة قوى خارجية مقابل الحصول على شرعية سياسية أو حماية أمنية. هذه العلاقة النفعية تمنح إسرائيل ميزات سيادية استثنائية دون التقيد ببروتوكولات القانون الدولي التقليدية، لكنها في المقابل تضع مستقبل المنطقة السياسي في مهب الريح. والأخطر من ذلك، أن نجاح هذا النموذج قد يغري حركات انفصالية أخرى في الإقليم لتبني استراتيجية “الاعتراف مقابل التموضع”، مما يهدد بتفتيت المنطقة إلى “دويلات وظيفية” متناحرة تخدم أجندات القوى الكبرى فقط.
الصدمة في مقديشو: التحدي القانوني والاستقطاب الحاد
بالنسبة للحكومة الفيدرالية في مقديشو، يمثل هذا الاعتراف “انتحاراً دبلوماسياً” وانتهاكاً صارخاً لمبدأ “سيادة الدولة” ووحدة أراضيها. ومن المتوقع أن تشهد الأروقة الدولية معارك قانونية حامية، حيث ستسعى الصومال لتدويل القضية عبر بوابة الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية. إن هذا الصدام لن يتوقف عند البيانات التنديدية، بل قد يدفع مقديشو نحو ارتماء استراتيجي في أحضان محاور إقليمية مضادة (مثل تركيا وقطر) لموازنة النفوذ الإسرائيلي. هذا التحول ينذر بتحويل “الصومال الكبير” إلى ساحة “استقطاب حاد”، حيث تتصارع القوى الإقليمية على النفوذ فوق أرض منهكة بالأزمات.
ارتدادات دولية: البحر الأحمر كساحة لصراع الإرادات
يضع هذا التحرك “اتفاقات أبراهام” أمام اختبار حقيقي حول كيفية تعامل الموقعين العرب مع مساعي إسرائيل لإقحام كيانات غير معترف بها في الترتيبات الإقليمية. كما يثير قلقاً وجودياً في القاهرة؛ فمصر ترى في أي تلاعب بتوازنات مدخل البحر الأحمر، أو تعزيز للمكانة الإثيوبية على حساب وحدة الصومال، تهديداً مباشراً لـ “أمنها القومي المائي والملاحي”.
وعلى الصعيد الدولي، تراقب بكين هذا التمدد بحذر شديد؛ فمن قاعدتها العسكرية في جيبوتي، تنظر الصين للقرن الأفريقي كحلقة وصل أساسية في “مبادرة الحزام والطريق” (Belt and Road Initiative). وهي المشروع الصيني الضخم الذي يهدف إلى ربط آسيا بأفريقيا وأوروبا عبر شبكة عالمية من الموانئ والسكك الحديدية والطرق البرية والبحرية لضمان تدفق التجارة الصينية وتأمين إمدادات الطاقة. إن دخول إسرائيل كلاعب مباشر في “هرجيسا” سيعيد رسم خارطة النفوذ الدولي في هذه المنطقة الحساسة، وقد يدفع روسيا والصين لتعزيز وجودهما العسكري والسياسي لضمان عدم انفراد المعسكر الغربي-الإسرائيلي بالتحكم في الممرات المائية التي تمثل قلب “طريق الحرير البحري” الجديد.
عسكرة الفراغ أم تنمية المسارات؟
في المحصلة، يبرز الاعتراف الإسرائيلي بـ «أرض الصومال» كتحول جذري يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية. إن هذا النزاع يضع القرن الأفريقي بين فكي كماشة: فمن جهة، تلوح فرصة تاريخية لـ “هرجيسا” للخروج من العزلة وتحقيق تنمية اقتصادية، ومن جهة أخرى، يبرز خطر داهم بالتحول إلى “مختبر جيوسياسي” لمشاريع العسكرة والتهجير القسري.
يبقى السؤال الذي ستجيب عليه السنوات القادمة: هل سيصبح القرن الأفريقي مسرحاً لتوازنات تنموية جديدة تخدم سكانه، أم سيظل مجرد “رقعة شطرنج” في صراع القوى الكبرى، حيث تُقايض وحدة الشعوب وسيادة الدول مقابل تمركزات عسكرية عابرة للقارات؟
