بقلم جوزاف وهبه

ما أن انتشرت “حكايات أبو عمر” حتّى تهافت اللبنانيّون بحماس (وأنا منهم بالطبع) إلى تلقّف جميع “مغامراته” مع السياسيّين ورجال الدين، وكان الجامع المشترك، في ما بيننا، هو “تصديق” كلّ ما قيل ورُويَ عن دفع أموال، وعن وعود بالسلطة العابرة بالبريد “الملَكي” إلى أن تبيّن أنّه “لا ديوان، ولا مملكة..ولا وعود”.
واللافت – ولو بنسب متفاوتة – أنّنا قد صدّقنا كلّ الأخبار التي جرى تداولها على لسان “السبّاك العكّاري” أو التي تمّ تسريبها على ذمّة التحقيق:لقد “وثقنا” برواياته دون أيّ شكّ أو تدقيق، ولم “نثق” بأيّ تكذيب أو توضيح من قبل السياسيين “المُصابين بالنكبة”:لماذا؟ ببساطة شديدة، لأنّ اللبناني لا يثق بالطبقة السياسيّة الحاكمة، والتي تدرّجت في استعطاء واستغلال السلطة منذ نشأة هذا البلد الصغير المسمّى “زوراً” لبنان الكبير!
وعلى سبيل المثال لا الحصر، تقول إحدى الروايات المتداولة أنّ وزير الإتّصالات السابق محمد شقير قد أكرم الثنائي/الشيخ خلدون عريمط – أبوعلي بحوالي مليون دولار (وثمّة مّن يقول ب 800 ألف دولار فقط لا غير) لقاء “الوعد غير الصادق” بتسهيل وصوله إلى السراي الكبير على “سجّاد أحمر سعودي”..فكيف لا نصدّق وقائع هذا الحدث، والوزير المقصود سبق أن حُكِم عليه رسميّاً من قبل ديوان المحاسبة بغرامة 8 مليون دولار جرّاء مشاركته في صفقة فساد تخصّ شراء وبيع وإيجار مبنى قصابيان لصالح شركة تاتش؟ أو باختصار، مَن نصدّق “نفي” معالي الوزير أو “تأكيد” سماحة الشيخ وشريكه ذي اللهجة الخليجيّة؟
اللبناني فقد القدرة على تصديق الطبقة السياسيّة، حتّى ولو كان بعضها صادقاً في كلامه، حتّى ولو كانت نوايا هذا البعض حسنة، والعزم على الخدمة العامّة متوفّر وظاهر..هل نصدّق، مثلاً، الوعد بالكهرباء 24 على 24، بالرغم أنّ وزير الطاقة جو صدّي قد أقدم على وقف الهدر في مؤسّسة كهرباء لبنان حيث أنّ الدولة لم تعد تدفع ليرة واحدة لتأمين التيّار (في حالته الراهنة) بينما كانت ساعات التغذية المشابهة تكلّف الخزينة ملايين الدولارات في عهود الوزراء العونيين السابقين، بمّن فيهم الوزيرة المتشاوفة ندى البستاني؟ لمذا صعوبة تصديق وعود وأداء صدّي؟ لأنّه “لا ثقة” بالطبقة السياسيّة الحاكمة!
يقول رئيس الجمهوريّة جوزاف عون أنّه “لا داعي للهلع من نشوب حرب إسرائيليّة على لبنان”، فيما يتوالى المسؤولون الإسرائيليّون (والصحافة الإسرائيليّة) على التأكيد بأنّ عدم نزع سلاح حزب الله (كلّ السلاح، دون تمييز بين شمال وجنوب الليطاني، أو بين الجنوب والضاحية والبقاع) سيؤدّي حتماً إلى اشتعال الحرب من جديد حتّى يسلّم الحزب سلاحه (المقدّس وغير المقدّس..):فهل نصدّق تطمينات الدولة اللبنانيّة أم تهديدات أفيخاي أدرعي؟ منّي – وهلمّ جرّاً – نحن أقرب إلى الإصغاء لأقوال أدرعي، وإلى تجاهل تطمينات الرؤساء الثلاثة!
يدّعي الأمين العام الجديد للحزب الشيخ نعيم قاسم، في جميع خطبه الباردة، في مناسبات اغتيال القادة الكثر، أنّ “المقاومة الإسلاميّة قد استعادت عافيتها العسكريّة والبنيويّة” في محاولة (يائسة) للإبقاء على “ثقة” البيئة الشيعيّة الحاضنة..فهل هو ينجح في ذلك؟ بالتأكيد، كلّا! ولكن ما يجعل الطائفة الشيعيّة متمسّكة بالشعارات، رغم تلاشيها بفعل التفوّق الإسرائيلي الفائض واغتيال الأمين العام الرمز/حسن نصرالله، هو أمران متلازمان:
-الأوّل، ضعف الدولة وعدم الثقة بقدرتها على تحمّل ثقل تداعيات حرب الإسناد وما بعدها.
-الثاني، أنّ الحزب لا يزال قادراً على تسديد بعض فواتير الحرب السابقة، ولا يزال يوفّر الحدّ الأدنى من المال، بالتوازي مع “سلبطته الأمنيّة” على مناطق نفوذه بما يحدّ من أصوات المعترضين، فيما تغضّ أجهزة الدولة الرسميّة النظر عن مواجهة هذه السلبطة، في نوع من سياسة النعامة، أي دفن الرأس في الرمال، بانتظار “الترياق” من الخارج..وللأسف، فإنّ هذا الترياق سيكون حرباً جديدة، ولو بأشكال جديدة!
“السلطتان” في لبنان (الدولة الرسمية المتنامية والدويلة غير الشرعيّة المتراجعة) تتساويان في “عدم الثقة”:لا الشعب اللبناني يثق بوعود دولته..ولا البيئة الشيعيّة الحاضنة باتت تثق، لا بالدور البديل للدولة، ولا بقدرة الحزب على توفير الأمان والإستمراريّة في تغطية كلفة الحروب الباهظة!
عنوان واحد لكلّ ما نعيشه وما نراه:لا ثقة..من هنا يأتي التسليم بكلّ كلمة يقولها “رجل المرحلة” أبو عمر..ومن هنا يأتي عدم الإطمئنان إلى اليوم التالي.نعيش في الفراغ والقلق..وكلّ يوم بيومه!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top