سعد الحريري .. الوجه المُشرق أبدا !!


بقلم خالد صالح

عندما تمّ تنصيب جون كينيدي رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية في العام 1961، ألقى خطابًا أعتبر مقدمة لرسم ملامح جديدة لفترة شابة لأميركا، وقدّم قاعدة سياسية رائدة في تعبيره عن الإنتماء والوطنية عندما قال : “لا تسأل ماذا يُمكن أن يُقدّم لك بلدك .. بل إسأل ماذا يُمكن أن تُقدّم لبلدك”..
وسط “المعمعة” التي يشهدها لبنان جرّاء سقوط أوراق التوت عن “الأمير الوهمي”، كان لافتًا الحملة “المنظمة” التي طاولت الرئيس سعد الحريري، واحتار “صغار الاعلام” في كيفية النيل من “الرجل الصامت” وفي الوسيلة التي يجب اتباعها لإلباسه هذا اللبوس البريء منه براءة الذئب من دم يوسف، فـ “صمت الحريري” جعلهم يضربون أخماسًا بأسداس، لاسيما والبلاد على مشارف الانتخابات النيابية، هذا الاستحقاق الذي إن شارك به “الحريري وتياره” سيقلبون المعادلة رأسًا على عقب ..
يعتقد كثير من النّخب السياسية والفكرية أن الرئيس سعد الحريري كان ولايزال يُشكّل ظاهرة متمايزة في العمل السياسي، وأن دوره الوطني ثابتٌ وراسخٌ مهما شهدت أحوال البلاد من تباينات، لأن الفكر الوطني لديه يتقدّم على ماعداه، فتاريخ الرجالات الوطنية ليس سردًا لأحداثٍ وتفاصيلَ فحسب، بل في الرؤيا التي يحملونها لأوطانهم للحاق بالركب العالمي في كل المجالات، لذلك تأتي هذه الأفعال كخطوة لتطويق الرجل، وأنّ للعبيد أن ينالوا من الأحرار .
في نظرة بديهية على “شلة الأنس” وخلفياتها التي حاولت جاهدة زج اسم الحريري بأي شكل في هذه “المعمعة” تكتشف أنه لاجديد في القضية سوى “كيد المكيودين”، مجموعة ضربها الإفلاس السياسي والمهني وحتى الأخلاقي وتُدرك في قرارة نفسها أن الوسيلة الوحيدة لـ “تصدّر المشهد” هي الإتيان على ذكر هذا الرجل، لأنهم يعلمون وعن يقين أنه “الوجه المشرق” في سياستنا المظلمة التي تسببوا بها هم وأمثالهم منذ سنوات طويلة .
سعد الحريري من الرجالات الأوفياء المخلصين إذا ما قورنت مواقفه بالكثير من المواقف التي تصدر من هنا ومن هناك، وهو الأعمق معرفة في نوعية العلاقة التي تربطه بالمملكة العربية السعودية ولايحتاج إلى “حلقة ربط” معها، لأنه يستحوذُ على فروقاتٍ كبيرة بالفكر والفهم والانتماء الوطني، بعيدًا عن التلهّي بمصالح آنية ضيقة، أو بحثًا عن نفوذ وسلطة، وقد يعمدُ إلى تدوير زاوية قاسية هنا أو كسر زاوية حادة هناك أو الانحناء أمام عاصفة أحيانًا أو الصمود في وجهها أحيانًا أخرى، لكنه في كل الأوقات الرجل الذي يحمل وطنه في قلبه ولا مساومة على وجوده ..
سعد الحريري ليس بطلًا خارقًا، بل مؤمنًا صادقًا بديمومة وطنه، تاريخُه يُشكل هالة قلّما يفهمها القادمون للسياسة من بوابات أخرى، فهو من القادة الذين يبحثون دومًا عن الوفاق والاتفاق وينبذ التفرقة والنفاق، ومن الثابتين الذين تُدرّس مواقفهم وانتمائهم لتصبح في ذاكرة كلّ فردٍ من ابناء الوطن، ومن الذين يعملون على إرساء قواعد البناء الحضاري ويبثون القيم والمبادىء الأخلاقية، كي يكونَ للوطن معنىً وهوية وليس مجرّد هياكل فارغة ونظريات لا تغني ولا تسمن ..
ليست سمات سعد الحريري وليدة صدفة بل هي “منحة ربّانية” ورثها عن أبيه وحسبه هذا شرفا، فخدمة بلده ومجتمعه تتجاوزُ حدودَ المناصبِ مهما بلغت درجة الإغراءات، وليس من الذين يديرون ظهرهم للأزمات ويتخلّون عن مسؤولياتهم، فالأمانة الخالدة التي يحملُها بين جنباته تدفعُه للعمل بمناقبية وتفانٍ إلى تمتين الفسيفساء الوطنية التي يتشكل منها لبنان بعرىً وثيقة لا تنفصم عن تركيبته المتنوّعة التي جعلت منه ” وطن الرسالة ” ..
إن الرسالة الخالدة التي ينتهجُها سعد الحريري أظهرت حقيقة الأمور بين من يعمل من أجل لبنان ومن يعمل لغاياتٍ ضيقة ومحاصصةٍ محدودة، لا نافذة للتكاسل والخذلان في حياته، بل سؤال جوهري يدورُ في فلكه، ماذا يمكن أن تُقدّم لبلدك ؟، وما هي السبل الآيلة لرفع الشعب إلى مستوى الوطن؟، فلا لقاء ولا حوار ولا حديث إلا والحاضر الأول لبنان، ليس كأسير أو جريح أو وطن معذّب، أو عظيم الخيبة بأهل أو حلفاء، إنما بوطنٍ له غد وكرامة وسيادة وحق بالحياة .. وحريٌ بالحلم ..
بنى سعد الحريري لنفسه “يوتوبيا” يرفضُ الخروج منها أو المساومة عليها، متمسكًا بأفكار تتجاوز نطاق المصالح الشخصية، وكأنه على مسار “غاندي” حين قال : ” إن التسوية أخذ وعطاء وإلا كانت استسلامًا مقنّعًا بمساحيق مضحكة”، وضع “لبنان أولًا” منهاجه الوحيد وصبّ تركيزه كاملًا في سبيل هذه المعادلة، بينما البقية قالوا “الرئاسة أولًا” و ” الوزارة أولًا” و”الأجندة أولًا”، فتقدّمهم جميعهم ولم يتقدموا عليه ..
لذلك نرى اليوم مجموعة من “الأبواق” تقودها “فئة باغية” تُفتش بـ “السراج والفتيلة” عن أي خيط حتى ولو كان من إفرازات عقولهم النتنة لحشر اسم الحريري في هذا “الإسفاف” الذي طاول “الطائفة السنية” من بابها إلى محرابها، وفق مندرجات “لعبة” مدروسة ومحددة الأهداف، وتأتي في سياق الكثير من المحاولات التي حاولوا من خلالها ضرب حضور هذا الرجل الذي بات يُشكل العلامة المضيئة والفارقة في واقعنا الأسود .
منذ سنوات رسم الحريري لنفسه “صراطًا مستقيمًا” يلتزمُ به، هو يعرفُ أن النفوسَ البشرية هُلامية الشكل والنزعة، لذا لم يأخذه منطق الربح ولم يهدّه إحساس الخسارة، هو سعد الحريري وقناعاته، لا عناده، المنطق الذي لا تأخذه مفاتن الشعبوية الزائفة، فنقطة الارتكاز عنده احترام الذات، ليس “مهرّجًا” ليربح موقعًا أو منصبًا ويخسر الوطن، وليس خفيفًا كغيره ليسقط في “فخّ” أقل ما يقال فيه أنه من تدبير “غبي” فوقع به الأغبياء .
سعد الحريري، الوجه المشرق المتبقّي في سياستنا المحلية، مثالٌ لا يُطاق، نظافة لا تُطاق، نزاهة لا تُطاق، مناعة لا تطاق، النقيضُ الذي يُذكّر الآخرين بكل ما يحاولون اخفاءه، سعد الحريري رجلٌ بلا “سجل عدلي” في بلد خرج من حروب كثيرة ورفض الدخول في “مناقصة” على حساب مسلّماته، وحسب سعد الحريري قوله تعالى : (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)،

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top