
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
في نقد «الزمن الخطي»: من سلطة التقويم إلى هيمنة الخوارزمية
لم يعد الزمن، في عالم اليوم، مجرد إطار محايد تجري داخله الوقائع، بل تحوّل إلى ساحة صراع مكتملة الأركان. فبين إيقاع الإنسان الحيوي، وإيقاع المؤسسة الصارم، نشأت علاقة غير متكافئة أعادت تشكيل الوعي الفردي والجماعي على حد سواء. الزمن لم يعد يُقاس فقط، بل يُدار، ويُستثمر، ويُستخدم كأداة للضبط والسيطرة.
سيادة التقويم: حين يصبح الوقت قراراً سياسياً
لم يكن التقويم، في أي مرحلة تاريخية، مسألة تقنية بريئة. ففرض تقويم جديد كان دائماً فعلاً سيادياً بامتياز، يقطع المجتمع عن ماضيه، ويعيد ربط ذاكرته بلحظة «تأسيس» تختارها السلطة. من روما القديمة إلى الثورة الفرنسية، كان التحكم بالزمن وسيلة لإعادة إنتاج الولاء، وضبط الإيقاع الجماعي وفق منطق الدولة. اليوم، يعيش الإنسان المعاصر داخل تعددية زمنية قسرية، تُطالبه بالتزامن الدائم مع إيقاعات متناقضة: تقويم الأسواق، تقويم «الترند»، وتقويم السياسة، مما يؤدي إلى تشظي تجربته بين زمن محلي متباطئ، وزمن معولم متسارع.
تفكيك وهم «الزمن الواحد»: هاري هاروتونيان نموذجاً
في نقده الجذري للمركزية الغربية، يقدّم المؤرخ هاري هاروتونيان تفكيكاً لما يسميه «خرافة الزمن الخطي». هذا الزمن، الذي يُقدَّم كمسار تصاعدي وحيد ينتهي عند نموذج الحداثة الغربية، جرى استخدامه كأداة لإقصاء مجتمعات بأكملها ووسمها بأنها «متأخرة». يطرح هاروتونيان مفهوم «التزامن بين غير المتزامنين»، حيث تعيش المجتمعات حداثاتها الخاصة خارج معايير المركز. ومع العولمة الرقمية، تحول هذا الصراع إلى «زمن الشبكة» الفوري الذي يهدد بمحو الإيقاعات الثقافية الخاصة باسم الاتصال الدائم.
الرأسمالية الرقمية: حين تُستعمَر اللحظة
في العصر الرقمي، نجحت الرأسمالية في اختراق «الآن» ذاته. عبر «اقتصاد الانتباه»، تُنتزع لحظات الإنسان الخاصة وتُحوَّل إلى بيانات وأرباح. هذا التسارع المستمر قضى على «الزمن الميت»: لحظات الصمت، التفكير، والشرود، وحلّ محلها ضجيج دائم يُبقي الفرد في حالة استجابة مستمرة. والأخطر أن الخوارزميات التنبؤية باتت توجه اختياراتنا المستقبلية، فتُفرغ المستقبل من عنصر المفاجأة وتحوله إلى سيناريو مُعدّ سلفاً.
الجسد في مواجهة الترس: الانتهاك البيولوجي
إن الصراع حول الزمن يمتد إلى أعمق نقاط التكوين البشري. فبينما تفرض «إمبراطورية الساعة» إيقاعاً خطياً لا ينقطع، تعيش أجسادنا وفق «زمن دوري» محكوم بالساعة البيولوجية (Circadian Rhythm). هذا التصادم بين زمن الآلة الذي لا ينام وزمن الطبيعة الذي يحتاج للراحة، أدى إلى اغتراب عضوي حاد. فالعمل الليلي وهيمنة الضوء الأزرق ليست خيارات نمط حياة، بل هي انتهاك لمليارات السنين من التطور الحيوي، حيث أصبح الجسد البشري آخر الجبهات المقاوِمة لإمبراطورية لا تعترف بالليل.
سيكولوجيا الانتظار والذاكرة المنهوبة
في مفارقة لافتة، يتسارع الاستهلاك بينما تتباطأ الحقوق عبر بيروقراطيات تتقن فنّ الانتظار، ليتحول الأخير إلى أداة نفسية لإشعار الفرد بالعجز. وبالتوازي، تُخاض معركة على الذاكرة الجماعية؛ فمن يملك الماضي ويتحكم بإيقاع الحاضر، يضمن موقعه في المستقبل. لكن في المقابل، تنشأ حركات مضادة تستعيد الذاكرة وتستخدم الأدوات الرقمية ذاتها لحفظ الروايات المهمّشة.
نحو سيادة زمنية وحقوق جديدة
استعادة الزمن ليست دعوة للحنين، بل مطالبة بالحق في التعددية. إنها رفض للذوبان في زمن الآلة، ودفاع عن حق المجتمعات والأفراد في أن يكونوا معاصرين وفق شروطهم الخاصة. تبرز الحاجة اليوم لصياغة «حقوق زمنية» جديدة: الحق في الانفصال، الحق في البطء، والحق في حماية الإيقاع البيولوجي والنفسي من التغول الرقمي. فالسيادة الزمنية هي الشرط الأساسي لاستعادة المعنى الإنساني في عالم تتحول فيه اللحظات إلى بيانات، والسيادة إلى مجرد نبضة داخل ساعة إمبراطورية لا تتوقف.
