كليلة ودمنة .. مرايا السلطة المتكسّرة قراءة سوسيولوجية في فلسفة الصراع، الوشاية، واستراتيجيات البقاء

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​لم يكتب عبد الله بن المقفع «كليلة ودمنة» ليكون مجرد سمرٍ يُزجى به ليل الملوك، بل صاغه كـ بيان سياسي مُلغم بالرموز، ونصب فيه مقصلةً ذهبية للأخلاق داخل ردهات الحكم المعتمة. في هذا المنجز الأدبي، لا تنطق الكائنات عبثاً، بل نراها أقنعةً لبشرٍ تستروا بجلود الوحوش؛ ليجترحوا معجزة التعبير في زمنٍ خيّم فيه الصمت القسري.
​عبر مفاصل العمل الكبرى، لم يكتفِ ابن المقفع بسرد القصص، بل أجرى تشريحاً قيصرياً للواقع السياسي؛ فمن صراع «الأسد والثور» حيث تُنحر الدولة بسكين الوشاية، إلى «البوم والغربان» حيث يغلي الحقد الهوياتي، ومن براغماتية النجاة في «الجرذ والسنور»، وصولاً إلى فخاخ العاطفة في «القرد والغيلم».. نحن أمام «دستور للمستور»؛ نصٌّ يفكك هندسة الترهيب، ويجيدُ نحت لغةٍ بديلة لفك شفرات السلطة في حقبةٍ لا تغفر للواضحين صراحتهم.

​1. دمنة وهندسة الوشاية: “تفاهة الشر” في ثوب المستشار

​في فصل «الأسد والثور»، يجرد ابن المقفع الشر من طابعه الأسطوري ليعيد تشكيله في قوالب “بيروقراطية” باردة. دمنة هنا ليس ذلك الشرير الملحمي الذي يضج بالحقد، بل هو الإرهاص المبكر لما أسمته الفيلسوفة “حنة أرندت” لاحقاً بـ «تفاهة الشر». إنه “الموظف البارع” الذي لا يقتل بمخلبه، بل عبر تقاريره الكيدية ودسائسه المُغلفة بالحرص.
​مقتل الثور “شتربة” لم يكن صراعاً غابوياً طبيعياً، بل كان “إجراءً إدارياً” هندسه دمنة بذكاء عبر تكتيك «تسميم الآبار النفسية»؛ إذ حقن وعي الأسد بجرعات الشك حتى استحال الوفاء في عين الملك مشروع انقلاب، وصار الصديقُ طريدةً تجب تصفيتها. صرخة ابن المقفع هنا تدوّي عبر العصور: إن السلطة التي تستقيل من إعمال العقل وتكتفي بالارتهان لبطانة السوء، تتحول حتماً إلى آلة تفرك لحم أتباعها الأوفياء.

​2. البوم والغربان: أنثروبولوجيا الحقد وصراع “الذاكرة الجريحة”

​ينقلنا المؤلف في فصل «البوم والغربان» من مآزق الأفراد إلى جحيم الجماعات، حيث تندلع الحروب التي لا تُخمد نيرانها بانتهاء القتال. نحن هنا أمام «عداء وجودي» عابر للأزمنة، يقتاتُ على نبش الذاكرة واستحضار الثارات الدفينة. الدرس هنا قاسٍ بامتياز: الحروب لا تبدأ بالمارشات العسكرية، بل تُطبخ في أفران “سرديات الكراهية” وتُشحن بشيطنة الآخر وتجريده من إنسانيته.
​نصر الغربان لم يكن تفوقاً بدنياً، بل كان اختراقاً «استخباراتياً»؛ حيث خلع الغراب قناع العدو وارتدى ثوب الضحية المظلومة، مستغلاً عجز البوم عن فهم سيكولوجية الخصم. الحقيقة المرعبة التي يكشفها هذا الفصل هي أن المعلومة حين يسكنها الحقد تصبح أشد فتكاً من السيف؛ فمن يسيطر على الذاكرة الجمعية ويجيد العزف على أوتار نقاط ضعف الخصم، هو وحده من يخطّ السطر الأخير في صراع البقاء.

​3. الجرذ والسنور: “الواقعية السياسية” فوق أنقاض المبادئ

​بعيداً عن العواطف المشتعلة، يضعنا فصل «الجرذ والسنور» أمام طاولة المفاوضات الباردة، حيث تتجلى «الواقعية السياسية» (Realpolitik) في أبهى صورها. حين يجمعُ “فخُّ الصياد” بين المفترس وفريسته، تتساقط العداوات كأوراق الخريف لتفسح المجال لـ «المصلحة الوجودية». السؤال هنا لم يعد “من سيلتهم الآخر؟”، بل “كيف ننجو معاً؟”.
​صاغ ابن المقفع في هذا المشهد «مانيفستو إدارة الأزمات» عبر ركيزتين:
​التحالف الاضطراري: تقاطع المصالح مع العدو دون ذوبان الهوية؛ ليبقى الحليف تحت المجهر حتى في ذروة التعاون.
​تفكيك الارتباط: الإيمان بأن “صلح الضرورة” هو عقد مؤقت ينتهي بانتهاء أسبابه، وأي تمديد له هو سذاجة سياسية منتحرة.
نجا الجرذ لا بقوة عضلاته، بل بـ «ذكاء المسافة»؛ فالثقة العمياء بالخصم هي “انتحار طوعي”، والنجاة تُمنح فقط لمن يتقن هندسة حذره.

​4. القرد والغيلم: تراجيديا الوفاء المُستلب تحت قناع “الحب”

​هنا، يطرح النص المعضلة الأخلاقية الأكثر إرباكاً: هل يبرر الحب الجريمة؟ محاولة «الغيلم» تصفية صديقه القرد إرضاءً لزوجته تكشف عن «هشاشة البوصلة الأخلاقية» عند اصطدامها بالضغوط العاطفية والبيئية.
​سقط الغيلم في فخ «تشييء الآخر»؛ إذ جرّد الصديق من قدسيته وحوّله إلى مجرد “مادة طبية” لترميم حياته الخاصة. إنها مأساة الشخصية المهزوزة التي تخون بدافع العاطفة لا الضغينة. في المقابل، قدم القرد نموذجاً لـ «الذكاء الدفاعي»؛ ففي بيئة الغدر، يصبح الوضوح حكماً بالإعدام، ليكون «التظاهر بالجهل» هو المناورة الأخيرة والوحيدة لبناء جسر النجاة فوق مستنقعات الخيانة.

​5. محاكمة دمنة: “الأصول الإجرائية” كآخر حصون الدولة

​لم تكن هذه المحاكمة مجرد قفلة درامية، بل كانت «أطروحة دستورية» يائسة لترميم ما أفسدته الوشاية. فرغم ثبوت الجرم، أصر ابن المقفع على “البروتوكول القانوني” ليكون «كابحاً» أمام انفعالات الحاكم. الرسالة الجوهرية هنا هي أن هيبة الدولة لا تكمن في سرعة العقاب، بل في ثقل الحقيقة وصبر العدالة. غياب «العدالة الإجرائية» يعني سقوط الشرعية الأخلاقية للسلطة، حتى وإن كان القتيل مجرماً.

​لماذا قُتل صاحب المرايا؟

​في المحصلة، لم يُصفَّ عبد الله بن المقفع لأنه حكى قصصاً عن الحيوان، بل لأنه «كسر المرآة الكبيرة»؛ المرآة التي أرادت السلطة أن ترى فيها وجهها مقدساً وخالياً من العيوب، ففضح هو ندوبها وتجاعيد غدرها. قُتل لأن «رسالة الأمان» التي دبجها كانت “قيداً قانونياً” يطوق جموح السلطة المطلقة.
​تظل حكاياته اليوم نابضة بالحياة، تذكرنا بأن الوحش الحقيقي لا يقطن الأدغال، بل يختبئ خلف الشاشات وفي المكاتب الفاخرة، يكتب بروتوكولات الذبح بلغة “الإجراءات النظامية”. لقد أثبت التاريخ أن الحكاية أبقى من النصل؛ فالسيف يقتل الأجساد، أما الحكاية.. فتهدم العروش التي شُيّدت على زيف الأوهام.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top