بقلم الياس عيسى الياس – ديمقراطيا نيوز

​في المسافة الفاصلة بين الخطاب الدبلوماسي الناعم وحقيقة المصالح الصلبة، يبرز المفكر “نعوم تشومسكي” كجراحٍ بنيوي يفكك آليات القوة العالمية. فهو لا يقرأ السياسة كحدث عابر، بل كبنية “أنطولوجية” متجذرة في العقل الإمبراطوري. من خلال تساؤله الجوهري والمستفز: “ماذا يريد العم سام؟”، يضعنا تشومسكي أمام مرآة كاشفة، تجرد السياسة الخارجية الأمريكية من عباءتها الأخلاقية، لتبدو كآلة “هندسة جيوسياسية” مصممة بصرامة لغرض وحيد: تأبيد التفوق ومنع بزوغ أي قطبية منافسة.

​عقيدة “الاستقلال” بوصفها هرطقة سياسية

​يرى تشومسكي أن المحرك الفعلي لآلة “العم سام” ليس مطاردة الديكتاتوريات، بل كسر إرادة “القومية المستقلة”. ففي العرف الإمبراطوري، يُعد سعي أي دولة نامية لاستعادة سيادتها على مواردها وتوجيهها لخدمة التنمية المحلية بمثابة “خروج عن الطاعة” يستوجب الردع. ما يخشاه العم سام حقاً هو “خطر العدوى”؛ أي تحول التجربة الناجحة لدولة متمردة إلى ملهم لغيرها، مما يهدد بانهيار “أحجار الدومينو” في مناطق النفوذ الاستراتيجي. هنا، تصبح الانقلابات والتدخلات العسكرية مجرد أدوات “وقائية” لإجهاض حلم السيادة وإبقاء الثروات تتدفق في مسارها القسري من فقر الجنوب إلى تخمة المركز.

​ديمقراطية مشروطة وبراغماتية فجة

​بالعودة إلى الوثائق المرجعية للتخطيط الأمريكي، مثل وثيقة (PPS 23) لجورج كينان، تنجلي الحقيقة العارية: الشعارات البراقة حول حقوق الإنسان ليست سوى “أدوات تجميلية” في حقيبة الدعاية. الغاية الكبرى هي صيانة “تفاوت بنيوي” يسمح لأقلية ضئيلة بالسيطرة على مقدرات الكوكب. وضمن هذا التقسيم، يُراد لدول الجنوب أن تظل “هوامش وظيفية” توفر المواد الخام والعمالة الرخيصة، بينما تحتكر قوى المركز التكنولوجيا والسيادة المالية.
​لذا، فإن مفهوم “الديمقراطية” في العقل السياسي الأمريكي يظل “قيمة وظيفية”؛ يُحتفى بها إذا أنتجت نخبًا متماهية مع الإملاءات الخارجية، وتُحاصر إذا أفرزت صناديق الاقتراع طموحات وطنية تتعارض مع مصالح الشركات عابرة القارات. المعيار الحاسم في واشنطن ليس “نزاهة الاقتراع”، بل مدى قدرة النظام على لعب دور “الحارس الأمين” لبيئة الاستثمار.

​صناعة الخوف وهندسة الموافقة

​لا تكتفي الإمبراطورية بالقوة الخشنة، بل تعيش على “الاقتيات من الخوف الممنهج”. فلكي تبرر آلة الحرب استنزافها الهائل للموارد، لا بد من صياغة “بعبع جيوسياسي” دائم. وعبر ما يسميه تشومسكي “هندسة الموافقة”، يتم تغييب الوعي الجمعي في دوامة من الفزع الوجودي، مما يحيد الرغبة الشعبية في المساءلة حول العدالة الاجتماعية. يصبح العدو الخارجي ضرورة داخلية لإخضاع المجتمع لمنطق القوة بدلاً من منطق الرفاه.

​الوعي كفعل تحرري

​يختم تشومسكي أطروحته بتكريس حقيقة مفصلية: الهيمنة ليست قدراً تاريخياً، بل هي صرح اصطناعي يستمد شرعيته من “تزييف الإدراك”. لذا، فإن فهم التروس السرية التي تحرك رغبات “العم سام” هو الخطوة الأولى لفك الارتباط بالتبعية. إن المجتمع الواعي بآليات استلابه هو التهديد الوحيد الذي لا تستطيع الإمبراطورية احتواءه؛ لأن الحقيقة حين تُمتلك، تتحول إلى أداة تقويض لأعتى نظم السيطرة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top