
بقلم جوزاف وهبه
ليس غريباً أن تتساقط أبنية المدينة القديمة، الواحد تلوَ الآخر، أكان في ضهر مغر القبّة، أو كان في شارع الراهبات..حيث سبق أن تهاوت “مدرسة العازاريّة” الشهيرة، والتي تحوّلت إلى دكاكين تجاريّة بفضل “سماسرة” توزّعوا بين السياسي والمافيوزو والمقاول، وذلك في سلسلة صفقات لم تُطح فقط بصروح تربويّة كبيرة كالعازاريّة والفرير وطليان البنات، وإنّما أطاحت أيضاً بالكثير الكثير من “روح المدينة وذاكرتها..”. وما الهبوط الحالي للأبنية السكنيّة إلّا الوجه الآخر لذلك الهبوط الأخلاقي الذي قضى على دور طرابلس كعاصمة، فأضعناه – في غفلة من الزمن السياسي – ولم نتمكّن حتّى الساعة من إعادة صياغته بما يتلاءم مع قواعد الحداثة والعصرنة والتكنولوجيا الخارقة!
ما حدث في القبّة أو في محيط ساحة النجمة، وما يمكن أن يتكرّر في أحياء المدينة القديمة الأثريّة، لا يتحمّل مسؤوليّته المباشرة الوافدون الجدد إلى مراكز القرار في البلديّات أو إتّحاد الفيحاء أو المعرض والمرفأ وباقي المرافق الحيويّة. هم يحصدون ما زرعه “السلف” من إهمال وجشع وتعدّيات على مدى محطّات متتالية، وهو ما يفسّر سقوط مبنى هنا وهناك بالتزامن مع بيع “سينما كولورادو” في محيط ساحة النور، والتي احتضنت بأفلامها مخيّلة جيل بكامله، وها هي تحتضر تماماً كما رثاها بشكل مؤثّر الناشط الياس خلاط بقوله “إنّني إذ أقف أمام هذا المشهد، لا أعلن عدائي للقوانين التي تصون الملكيّة الخاصّة، فهي حقّ مشروع، لكنّني أتساءل بمرارة: أين نحن من تراث تلك الحقبة. إنّنا لا نشهد مجرّد تغيير في وظيفة مبنى، بل نشهد مدينة كاملة ترحل بتفاصيلها..”.
المدينة ترحل..إلى أين؟ مَن يوقف النزيف المزمن، في ظلّ دولة شبه مفلسة شبه عاجزة؟ كيف السبيل إلى الخلاص من دوّامة “النقّ والإهمال والمؤامرة؟ هل من بقعة ضوء تنير الطريق الشاق الطويل؟
في زمن “الشهيد رشيد كرامي” شهدت المدينة نوعاً من اللامركزيّة تمثّلت في نشوء نقابات مستقلّة عن نقابات بيروت وباقي لبنان: الأطبّاء والمهندسين والمحامين وأطبّاء الأسنان.. ربّما كانت حقبة ذهبيّة تقاطعت مع دور إقتصادي تمثّل في كونها “صلة وصل” بين بيروت والعمق السوري!
في زمن “الثورات وأبو عمّار” غرقت المدينة في شعارات العروبة والقضيّة الفلسطينيّة حتّى الثمالة، وحتّى القضاء على كلّ ما هو “لبناني”، بالرغم من بعض الومضات التي شكّلها ما سمّي بالتجمّع الوطني، آنذاك!..
في زمن “الحركات الإسلاميّة” أضاعت المدينة آخر معالمها، بالهجرة الواسعة للمسيحيّين منها، وبانقطاع التواصل مع المحيط، حيث أنشأ كلّ قضاء تجارته الداخليّة ودورته الإقتصاديّة الخاصّة بعيداً عن الحاجة إلى المركز / طرابلس!
حين جاء زمن “الشهيد رفيق الحريري” وقف الحكم السوري سدّاً منيعاً أمام ورشة البناء والتنمية التي أطلقها الرجل الكبير من بيروت، وصولاً إلى التدخّل في تفاصيل وأسماء الترشيحات النيابيّة.. والكلّ يذكر “واقعة أحمد فتفت” الذي تحدّى الواقع، واحتضنه الناخبون نائباً في البرلمان!..
ومذّاك، غرقت المدينة في متاهات من “الحروب الصغيرة العبثيّة” بأشكال متعدّدة، ما جعلها أسيرة صورة نمطيّة لم تنفع كلّ محاولات التجميل في إعادتها إلى سكّة الإستقطاب والجذب، على المستوى الداخلي اللبناني، أو على المستوى السياحي الأوسع، باستثناء بعض النقاط المضيئة، أمثال حلويات الحلّاب وحمّص الدنون، وزيارات السفراء ورجال المال والإقتصاد إلى غرفة طرابلس الكبرى علّهم يجدون فرصاً للإستثمارات التي وحدها يمكن أن تنتشل المدينة بمَن فيها من الحفرة العميقة!..
في الأمس البعيد، سقطت المدينة بأيدي مَن لا يفقهون معنى أن تكون طرابلس مدينة الفرح والحياة، وبالأمس القريب تهاوت بناية بعد بناية.. وكأنّنا جميعاً في سباق نحو المجهول. نتناتش المواقع، ونتقاذف المسؤوليّة دون حدود، ودون أمل في غد مختلف مشرق: بناء ضهر المغر، وبناء شارع الراهبات، وسينما كولورادو.. ثلاث علامات لموت واحد، موت مدينة تحتاج إلى أكثر من أعجوبة في زمن لم يعد فيه للأعاجيب من مكان أو أثر!..
