
بقلم غنوى أبو ضاهر- ديمقراطيا نيوز
في لبنان، لا تُقاس الغيابات بعدد الأيام، بل بعمق الفراغ الذي تتركه. ومنذ غاب الرئيس سعد الحريري، شعر كثيرون أن الوطن خسر صوتًا كان يشبهه: متعبًا، حنونًا، محمّلًا بالأوجاع، لكنه رافض أن ينهار. لم يكن غيابه تفصيلاً سياسيًا عابرًا، بل عقلٍ في زمنٍ طغى عليه الصراخ.
سعد الحريري لم يكن يومًا زعيمًا من ورق، ولا سياسيًا من خلف المكاتب. كان ابن وجعٍ كبير اسمه استشهاد رفيق الحريري، وحمل منذ اللحظة الأولى إرثًا أثقل من العمر، ومسؤولية أكبر من القدرة البشرية. ومع ذلك، اختار أن يبقى، أن يتحمّل، أن يجرّب حماية بلدٍ هشّ، يعرف أن أي خطوة خاطئة فيه قد تتحوّل إلى حريق.
هو رجل السياسة التي تُوجع صاحبها. سياسة التنازل من أجل الناس، لا من أجل الكراسي. سياسة كبح الغضب حين يغضب الشارع، وتهدئة النفوس حين تتأجّج الفتن. دفع أثمانًا شخصية وسياسية باهظة لأنه آمن أن لبنان لا يُحكم بالانتقام، ولا يُدار بالعناد، بل بالصبر، وبالقدرة على احتواء الاختلاف.
كم مرة وقف سعد الحريري بين نارين، فاختار أن يحترق وحده كي لا يحترق البلد؟
وكم مرة واجه التجريح، فقط ليبقى السلم الأهلي قائمًا؟
لم يكن ضعيفًا… كان يعرف أن القوة الحقيقية في لبنان هي منع الانفجار، لا التفاخر بالقدرة على إشعاله.
ومع غيابه، تغيّر المشهد. ارتفعت الأصوات، وازدادت القطيعة، وضاع الخط الرفيع الذي كان يمسك به بين الداخل والخارج. انكفأ لبنان أكثر عن محيطه العربي، وتراجعت الثقة، وتكشّفت العزلة. يومها، أدرك كثيرون أن وجود سعد الحريري لم يكن تفصيلاً، بل صمّام أمان، وأن الاعتدال حين يغيب، يترك الساحة للغلوّ والتطرّف والانهيار.
ويكفي التوقف عند فضيحة ما سُمّي زورًا بـ«الأمير أبو عمر» لفهم حجم الانحدار. شخص بلا أي صفة رسمية، بلا مرجعية سياسية أو دبلوماسية، وبلا وزن وطني حقيقي، استطاع أن يخترق المشهد العام، وأن يُقدَّم وكأنه صاحب نفوذ أو قرار. الأخطر من الادعاء نفسه، هو أن سياسيين ومسؤولين تعاملوا معه بجدّية، وفتحوا له الأبواب، وسمحوا له أن يعبث بصورة الدولة وهيبتها. هنا لا تكمن الفضيحة في “الأمير المزعوم”، بل في طبقة سياسية سمحت له أن يضحك عليها، وأن يكشف خواءها، وسذاجتها، وغياب الحد الأدنى من الحسّ الوطني.
في دولة تُدار بعقل رجال دولة، لا تتحوّل السياسة إلى مسرح، ولا يُترك القرار الوطني فريسة للوهم والاستعراض. لكن في لبنان اليوم، ومع غياب القامات القادرة على ضبط الإيقاع، صار الفراغ يسمح لكل طارئ أن يتقدّم، ولكل ادّعاء أن يُصدَّق، ولكل مسرحية أن تُلعب على حساب بلد منهك.
هنا تحديدًا يظهر الفارق الجوهري بين سعد الحريري وسياسيّي اليوم. لو كان حاضرًا، لما سُمِح بتجاوز المؤسسات، ولا بتضخيم شخصيات وهمية، ولا بتحويل الشأن العام إلى مادة للسخرية. كان يعرف أن هيبة الدولة لا تُصان بالصوت العالي، بل بوضع كل شخص في حجمه الحقيقي، وبحماية القرار الوطني من العبث.
وجدانيًا، لم يكن سعد الحريري يومًا بعيدًا عن ناسه. كان قريبًا من الشارع، من البسطاء، من الوجوه التي لا تملك إلا الأمل. لذلك، لم يكن غيابه مجرّد قرار سياسي، بل وجعًا صامتًا في قلوب كثيرين شعروا أن ظهرهم انكسر، وأن صوتهم خفت، وأن البلد صار أكثر وحدة وقسوة.
اليوم، لبنان ينهار… لا اقتصاديًا فقط، بل نفسيًا وإنسانيًا. الناس متعبة، خائفة، تبحث عن أي بصيص أمل، عن أي عنوان يشبه الدولة، عن أي شخص يعرف أن الحكم ليس استعراضًا، بل مسؤولية مؤلمة. وفي هذا الظرف القاسي، يعلو اسم سعد الحريري في الذاكرة، لا حنينًا للماضي، بل شوقًا للتوازن.
دولة الرئيس سعد الحريري،
لبنان يناديك، لا لأنك معصوم، بل لأنك تعرف وجعه.
يناديك لأنك ابن هذا البلد كما هو: متناقض، هشّ، وعنيد في البقاء.
يناديك لأن أهلك وناسك ما زالوا يؤمنون أنك لم تتركهم، بل تعبت… والتعب مفهوم.
عودتك اليوم ليست مطلب جمهور فقط، بل حاجة قلب وطن.
وطن يريد أن يسمع صوتًا هادئًا وسط العاصفة،
يدًا تُمسك بالميزان قبل أن يسقط،
وسياسة تُشبه الإنسان قبل أن تُشبه السلطة.
لبنان يشتاق لك…
وحين يشتاق الوطن، يصبح النداء مسؤولية.
