أولمب ترامب الجديد: ميثاق “مجلس السلام” وزمن الجبابرة الماليين

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​صاعقة في سماء دافوس (22 يناير 2026). لم يعد العالم يترقب مجرد قمة اقتصادية روتينية في منتجع “دافوس” السويسري؛ بل بات يترقب لحظة “تأسيس كونية” تشبه تلك التي وصفتها الملحمة اليونانية “ثيوجونيا” (أصل الآلهة). لقد حدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الخميس، الثاني والعشرين من يناير 2026، موعداً للمراسم الكبرى؛ حيث سيتحول منتدى دافوس من ساحة للحوار الاقتصادي إلى “محراب أولمبي” تُوقع فيه الدول على ميثاق “مجلس السلام”. إن هذا التاريخ لا يمثل مجرد اجتماع ديبلوماسي، بل هو “يوم التكريس” الذي يسعى فيه ترامب لإعادة تشكيل كوكب الأرض وفق رؤية لا تعترف بالحدود التقليدية للدبلوماسية، بل تعترف بقوة الإرادة، وسحر المال، وصفقات القمة التي تُعقد فوق السحاب.

​هذا المجلس، الذي وُضع ميثاقه في ثماني صفحات من الورق المشحون بالتمرد على النظام العالمي القديم، لا يقدم نفسه كمنظمة دولية عادية، بل كـ “خيط أريادني” ((Ariadne’s thread) هو رمز ميثيولوجي يشير إلى الوسيلة التي تُنقذ الإنسان من الضياع في متاهة معقدة) .جديد يهدف لانتشال البشرية من “متاهة”الأمم المتحدة والبيروقراطية المترهلة. إنه إعلان عن نهاية عصر “التايتنز” (العمالقة القدامى) وبداية عصر “الآلهة الأولمبيين” الذين يفرضون السلام بـ “الصاعقة” و”الذهب” في قلب جبال الألب الباردة.

​أولاً: العضوية الخالدة وقرابين المليار

​في قلب ميثاق “مجلس السلام”، تبرز المادة 2.2 (ج) كأكثر المواد إثارة للجدل والمحاكاة الميثيولوجية. فبينما يظل الفانون (الدول التي لا تملك فائضاً مالياً) خاضعين لولاية مؤقتة مدتها ثلاث سنوات قابلة للتجديد بمزاج الرئيس، يفتح الميثاق باب “الخلود السياسي” لمن يملك “مليار دولار نقداً”.

​هذا الشرط ليس مجرد رسوم تمويل؛ إنه “القربان الذهبي” الذي كان يقدمه ملوك الإغريق لاسترضاء الآلهة ونيل حمايتهم الدائمة. في هذا النظام، لم يعد “الحق السيادي” يُستمد من الاعتراف المتبادل أو الجمعية العامة، بل يُشترى كـ “صك غفران” جيوسياسي. الدول التي سارعت للقبول، كالمغرب والمجر وبيلاروسيا، تدرك أن هذا المليار ليس تكلفة، بل هو تذكرة عبور إلى “جبل الأولمب” حيث تُتخذ القرارات التي تحرك الجيوش والأسواق. إننا أمام تحول نوعي من “دبلوماسية المبادئ” إلى “دبلوماسية الأنصبة”، حيث يتحول “بلوتوس” (إله الثروة) إلى المستشار الأول لـ “زيوس” المعاصر.

​ثانياً: ترامب في دور “زيوس”.. السلطة النهائية وحق النقض

​عندما نقرأ الفصل السابع من الميثاق، نجد نصاً يقول: “يُعد الرئيس السلطة النهائية فيما يتعلق بمعنى هذا الميثاق وتفسيره وتطبيقه”. هذا النص ينسف قروناً من الفقه القانوني الدولي القائم على التحكيم والمساواة، ويستبدله بإرادة “سيد الصاعقة”. ترامب هنا لا يطرح نفسه كرئيس لمنظمة، بل كـ “مُحكم كوني” يملك حق الحياة والموت للكيانات السياسية.

​إن صلاحيته في “دعوة” من يشاء و”طرد” من يشاء، وحقه في نقض قرارات الدول الأعضاء إلا في حالات شبه مستحيلة (أغلبية الثلثين)، يحوله إلى نسخة سياسية من زيوس الذي كان يجلس على عرشه العاجي، يراقب نزاعات البشر من بعيد، ولا يتدخل إلا ليفرض “ستاسيس” (الاستقرار القسري). وحين رفض إيمانويل ماكرون دعوة الأولمب، لم يكن الرد ببيان ديبلوماسي باهت، بل كان “بصاعقة” اقتصادية تمثلت في رسوم جمركية بنسبة 200%. هذا ليس سلوكاً رئاسياً تقليدياً؛ إنه “غضب الآلهة” الذي يستهدف إخضاع المتمردين عبر ضرب “كرومهم” (النبيذ والشمبانيا)، في إشارة ميثيولوجية واضحة إلى أن من يرفض مائدة الآلهة سيُحرم من ثمار أرضه.

​ثالثاً: تحطيم “كرونوس”.. الانقلاب على الأمم المتحدة

​ينتقد الميثاق بمرارة “المؤسسات التي فشلت مراراً”، داعياً للتحلي بـ “الشجاعة” للانفصال عنها. هذه الدعوة هي الصرخة الأولى في حرب “التايتانوماكي” المعاصرة. في الأساطير، كان على زيوس وإخوته الإطاحة بوالدهم “كرونوس” (الزمن القديم) الذي كان يبتلع أبناءه، لكي يبدأ عصر النظام (Cosmos).

​بالنسبة لترامب، الأمم المتحدة هي “كرونوس” الذي يبتلع الموارد والوقت دون نتيجة. الانسحاب من 66 منظمة دولية في مطلع 2026 هو عملية “تطهير” للمجال الدولي من بقايا العمالقة القدامى. “مجلس السلام” يطرح نفسه كمنظمة “مرنة وفعالة”، وهي كلمات رمزية تعني “منظمة تنفذ إرادة الرئيس دون اعتراضات حقوقية أو بيروقراطية”. إنها محاولة لاستبدال “العدالة الإجرائية” بـ “العدالة الإرادية”، حيث يُعرف السلام بأنه ما يقرره الأقوياء الجالسون في دافوس، وليس ما تمليه المواثيق المكتوبة في نيويورك.

​رابعاً: المجلس التنفيذي.. “أنصاف الآلهة” والمهام المستحيلة

​بينما يترفع “زيوس/ترامب” عن التفاصيل اليومية، يبرز “المجلس التنفيذي لغزة” واللجان الفرعية التي تضم شخصيات مثل كوشنر وفيدان وويتكووف. هؤلاء يمثلون “الأبطال وأنصاف الآلهة” الذين يُرسلون لتنفيذ “مهام هرقل” في تطهير الأرض من الوحوش (النزاعات).

​المهمة الأولى هي غزة، لكن الميثاق يتوسع ليشمل “المناطق المتأثرة بالنزاعات” في العالم أجمع. هؤلاء الأبطال لا يعملون وفق تفويض شعبي، بل وفق “توكيل رئاسي”. دورهم هو إعادة الإعمار وإدارة الحوكمة، وهي عملية تشبه “تأديب” المناطق التي خرجت عن النظام الكوني. لكن، وكما في الأساطير، فإن هؤلاء الأبطال يصطدمون بـ “عناد البشر”؛ فالمعارضة الإسرائيلية وانتقادات الفلسطينيين تشبه “هيدرا” متعددة الرؤوس التي تبرز كلما قُطع منها رأس، مما يضع المجلس التنفيذي في اختبار دائم لمدى قدرة “الخطة الذهبية” على الصمود أمام “نيران الأرض”.

​خامساً: ردود الفعل الدولية.. بين الرهبة والرغبة

خريطة الدعوات التي شملت 60 دولة ترسم ملامح “مجمع الآلهة” الجديد.

​المغرب: بقبوله السريع كـ “عضو مؤسس”، يختار دور “الوسيط الحكيم” الذي يضمن لنفسه مكاناً في التشكيل الجديد للكون السياسي، مراهناً على أن التحالف مع “سيد الصاعقة” هو السبيل الوحيد لتأمين المصالح الوطنية.
​روسيا والصين: تلقيهما الدعوة يضعهما في موقف “الآلهة المنافسة” (مثل بوسيدون وهاديس). هل يدخلون الأولمب كشركاء في إدارة العالم، أم يظلون في “أطلانتس” أو “العالم السفلي” يبنون نظامهم الخاص؟ قبول بوتين “دراسة التفاصيل” يعكس إدراكاً بأن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن “العزلة” لم تعد خياراً أمام إغراء “مجلس السلام”.
​ألمانيا وإيطاليا: يحاولون الموازنة بين “الولاء للأولمب الجديد” وبين “احترام معبد الأمم المتحدة”. شكرهم لترامب هو نوع من “الدبلوماسية الوقائية” لتجنب الصواعق الجمركية التي أصابت جيرانهم الفرنسيين.

​سادساً: دافوس كمحجّ سياسي ومذبح للقديم

​اختيار منتجع دافوس لتوقيع الميثاق يوم الخميس 22 يناير هو اختيار عبقري من حيث الرمزية. دافوس هو المكان الذي تلتقي فيه “الثروة العالمية” بـ “السلطة السياسية”. تحويل هذا المنتدى إلى مقر لتأسيس “مجلس السلام” يعني دمج “بلوتوس” بـ “أريس” و”أثينا”.
​في دافوس، سيُطلب من الزعماء التوقيع على “صك الولاء” للميثاق الذي يمنح ترامب رئاسة مدى الحياة. إنها لحظة “تجميد الزمن” السياسي؛ حيث يُعلن أن التاريخ قد انتهى إلى هذه النقطة، وأن النظام العالمي الجديد هو “شركة مساهمة دولية” للسلام، تُدار بمجلس إدارة يترأسه رجل واحد، وتُمولها الدول الراغبة في البقاء على قيد الحياة السياسية.

​سابعاً: نقد “غطرسة الآلهة” (Hubris)

​لا يمكن قراءة هذا الميثاق دون استحضار مفهوم “الهيوبيرس” أو الغطرسة في الميثيولوجيا اليونانية. كان الآلهة يُعاقبون البشر حين يتجاوزون حدودهم، لكن الآلهة أنفسهم كانوا يسقطون حين يعتقدون أنهم فوق القدر.
انتقادات “خالد الجندي” والباحثين الدوليين تشير إلى أن هذا المجلس يتجاهل “أرواح الأرض” (الشعوب وحقوقها الأصيلة). غياب ذكر الفلسطينيين في ميثاق يُفترض أنه أُنشئ لأجلهم هو نوع من “العمى الأولمبي” الذي يرى الأرقام والصفقات ولا يرى البشر. هذا التجاهل قد يكون هو “كعب أخيل” (نقطة الضعف) في مشروع ترامب؛ فالسلام الذي يُشترى بالمال ويُفرض بالتهديد قد ينهار عند أول “زلزال شعبي” لا تعترف به ميزانيات المجلس.

​زمن “الباكس ترامبيانا”

​إننا في يناير 2026، نقف على أعتاب عصر “الباكس ترامبيانا” (السلام الترامبي). إنه نظام يعيدنا إلى جذور السلطة الخام: القوة، المال، والكاريزما الفردية. “مجلس السلام” ليس مجرد بديل للأمم المتحدة؛ إنه إنهاء لعصر “القانون” وبداية عصر “الإرادة”.
​سواء نجح هذا المجلس في فرض الهدوء في غزة وأوكرانيا أم لا، فإنه قد نجح بالفعل في كسر “صنم” النظام العالمي القديم. العالم الآن مدعو لحضور مأدبة دافوس، والخيارات محدودة: إما دفع “المليار” والجلوس على مائدة الآلهة كأعضاء دائمين، وإما البقاء في الخارج وانتظار “الصواعق” الجمركية والسياسية.
​في النهاية، يبقى السؤال الميثيولوجي معلقاً في هواء سويسرا البارد: هل سيستطيع ترامب، بصفته زيوس هذا العصر، أن يروض “وحوش النزاعات” عبر تحويلها إلى صفقات استثمارية؟ أم أن “متاهة” التاريخ أعقد من أن يحلها خيط “أريادني” مصنوع من الذهب وصكوك المليارات؟ الإجابة ستُكتب في دافوس، بمدادٍ يشبه الذهب، وبيدٍ لا تعرف التردد.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top