
بقلم ندى جوني
بعد سقوط نظام الأسد، وجدت سوريا نفسها أمام مشهد جديد لا يقل تعقيداً عن سنوات الحرب السابقة. وواحدة من أبرز التعقيدات هي تصاعد التوتر مجدداً بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي لسوريا، وسط اشتباكات متقطعة وحشود عسكرية تعكس نهاية مرحلة وبداية أخرى.
شكّلت قوات “سوريا الديمقراطية” خلال سنوات الحرب واقعاً عسكرياً وسياسياً خارج إطار الدولة، باتت اليوم أمام اختبار وجودي، في ظل تغيّر موازين القوى، وتراجع الغطاء الخارجي، وعودة الدولة السورية لمحاولة بسط سيطرتها على كامل الجغرافيا.
وبين خطاب حماية المناطق الكردية، واتهامات باستغلال ملفات الإرهاب والسجون، تتداخل الحسابات المحلية بالإقليمية، لتتحول الحسكة والرقة ودير الزور إلى ساحات صراع مفتوح على شكل الدولة المقبلة، وحدود السلاح، ومستقبل المكوّن الكردي داخل سوريا ما بعد الأسد.
في هذا الإطار، أجرى موقع ” ديمقراطيا نيوز “، مقابلة مع كلّ من الصحفية والكاتبة السورية عالية منصور والخبير السياسي عبد الرحمن الحاج للإطلاع على أبرز تفاصيل الأحداث التي تجري وتداعياتها على الداخل السوري من جهة وعلى المنطقة من جهة أخرى.
عالية منصور: ورقة حقوق الكرد سقطت والتسوية تمرّ عبر دولة المواطنة
أكدت الصحفية والكاتبة السورية عالية منصور أنّه لو التزمت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بتطبيق اتفاق العاشر من آذار، لما شهدنا الإشتباكات التي وقعت لاحقاً. وأشارت بدورها إلى أنّ الحل الوحيد المطروح اليوم أمام جميع الأطراف يتمثل في الالتزام بالاتفاق الأخير، الذي حظي بدعم ورعاية الولايات المتحدة الأميركية، باعتباره الإطار الواقعي المتاح لتجنيب البلاد مزيداً من التصعيد. كما وطرحت منصور تساؤلاً محورياً: ماذا ستجني “قسد” من التصعيد العسكري؟ فبرأيها، ورقة ” حقوق الكرد “، سقطت من يدها بعد المرسوم الأخير الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، كما أنّها فقدت سيطرتها على معظم المناطق، في ظل تحالفات داخلية قامت أساساً على قوة السلاح. وأضافت أنّ الغطاء الخارجي تراجع أيضاً، ما يضع “قسد” أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القتال لمجرد القتال، أو الالتزام بالاتفاق، والتخلي عن ارتباطاتها الخارجية، والتحوّل إلى شريك في بناء الدولة السورية.
وترى منصور أنّ الإجابة عن هذا السؤال ستقدّمها “قسد” خلال الساعات والأيام المقبلة من خلال أفعالها لا أقوالها، إلا أنّ المؤشرات حتى اللحظة، وفق توصيفها، ليست مبشّرة.
و شدّدت منصور على أنّه لا يمكن الحديث عن الثقة بين دولة وميليشيا، فبالتعريف القانوني تُعدّ “قسد” ميليشيا، ما يستدعي، بحسب تعبيرها، التوقف عن تطبيع هذا الواقع والاعتياد في المنطقة على مفهوم الدولة ومتطلباتها. وتلفت إلى أنّ “قسد” حاولت سابقاً استغلال ملف السجون وتنظيم داعش، كما حاولت قبل ذلك توظيف قضية حقوق الكرد، غير أنّ الموقف الأميركي كان واضحاً، وقبله الموقف السوري: هناك دولة واحدة في سوريا هي المسؤولة عن مكافحة الإرهاب. وإلا، فإن فتح هذا الباب يعني شرعنة حمل السلاح من قبل كل مواطن سوري، مرة بذريعة المطالب، ومرة بذريعة محاربة الإرهاب، في مسار عبثي لا نهاية له.
وذكرت منصور بأنّ الرئيس الشرع تحدث منذ اليوم الأول عن دولة المواطنة، معتبرة أن المرسوم الأخير ليس سوى انعكاس عملي لما يطمح للوصول إليه، أي دولة قائمة على مبدأ المواطنة، مع مراعاة هواجس السوريين الكرد وما تعرضوا له خلال السنوات الماضية.
وتشير إلى أنّ الشرع لم يكتفِ بخطاب إنشائي أو معسول قد يثير الشكوك، بل أصدر مرسوماً واضحاً يترجم هذه الرؤية.
وفي هذا السياق، تحذّر منصور من السماح بتكرار تجربة لبنان مع “حزب الله”، حيث تسيطر ميليشيا أياً كانت على الحدود والمعابر، مؤكدة أن وحدة سوريا خط أحمر، لافتة إلى أنّ مشاهد الفرح التي شهدتها مناطق في الجزيرة السورية بعد خروج “قسد” منها، إلى جانب المعاناة التي عاشها السوريون في تلك المناطق بمختلف مكوناتهم، تشكّل دليلاً إضافياً على ضرورة فرض الدولة سلطتها على كامل أراضيها.
وتوضح أنّ شكل الحكم مسألة يقررها السوريون لاحقاً، طالما هناك توافق على وحدة سوريا، أما حمل السلاح لفرض أجندات خاصة، فترى أنه بات من الماضي، في ظل توجه إقليمي واضح نحو تثبيت مفاهيم وأسس الدولة.
وختمت منصور بالإشارة إلى أنّ الموقف التركي والأميركي، وكذلك العربي، واضح في هذا الشأن: سوريا دولة موحدة، وعلى السلطة فرض سلطتها على كامل أراضيها. كما أنّ هذه الدول متفقة على التعاون في سوريا إلى حين تثبيت الأمن والاستقرار، معتبرة أن الأمر لا يندرج في إطار الترف السياسي، بل يشكّل مصلحة استراتيجية لدول الإعتدال في المنطقة والعالم
عبد الرحمن الحاج: لا دمج ولا تسويات، وما يجري هو إنهاء عسكري ل”قسد”
من جهته، رأى الخبير السياسي السوري عبد الرحمن الحاج أنّ الاتفاقات السابقة مع قوات “سوريا الديمقراطية” باتت بحكم المنتهية، مؤكداً أنّه لم يعد هناك أي اتفاق فعلي على الأرض. فالقوات الحكومية، بحسب توصيفه، وصلت إلى مشارف مدينة الحسكة، وتتحرك باتجاه الشرق والشمال، في وقت تُحاصر فيه “قسد” من الجهة الغربية، ما يجعل الإعلان عن نهاية وجود هذا التنظيم في سوريا مسألة وقت قد لا تتجاوز الساعات.
وفي ما يتعلق بملف تنظيم “داعش”، يشير الحاج إلى أنّ “قسد” استخدمت خلال الأيام الماضية ورقة السجون كورقة ضغط سياسية وعسكرية، حيث أقدمت على إطلاق سجناء من أحد السجون في الشدادي وآخر في الرقة.
وأضاف إلى أنّ “قسد” تواصل حتى الآن المراوغة في ملف تسليم مخيم الهول، رغم وجود اتفاق تم التوصل إليه يوم أمس بين الحكومة السورية والولايات المتحدة الأميركية يقضي بتسليم المخيم للقوات الحكومية السورية. وحتى اللحظة، لا تزال “قسد” تماطل في تنفيذ هذا الاتفاق.
وأوضح الحاج إلى أنّ القوات الحكومية باتت تحاصر مخيم الهول حالياً، وسط حالة من الاستنفار لدى قوات التحالف الدولي، مرجحاً أن تؤول السيطرة على المخيم إلى القوات الحكومية من دون مواجهات كبيرة، نظراً للتفاهمات الدولية القائمة في هذا الملف الحساس.
وأكد الحاج أنّ الحديث عن دمج قوات “قسد” ضمن القوات الحكومية أصبح من الماضي، مشدداً على أنّ كل الاتفاقات المتعلقة بهذا المسار قد سقطت، وأنّ ما يجري اليوم هو حسم عسكري مباشر، لا يحتمل حلولاً وسطية أو تسويات مرحلية.
واعتبر الحاج أنّ نهاية “قسد” ستمثل إنجازاً كبيراً لسوريا وتركيا، وكذلك للعراق، لافتاً إلى أنّ هذا التنظيم، وبحسب تعبيره، شكّل بالتعاون مع نظام الأسد أحد أكبر التهديدات للأمن القومي السوري والتركي خلال السنوات الماضية.
ويرى أنّ القضاء على هذا التنظيم سيُسهم في تحسين أمن المنطقة بشكل عام، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة يكون عنوانها الاستقرار.
وأضاف الحاج أنّ هذا التحوّل الميداني والسياسي من شأنه أن يعزز موقف الرئيس السوري في أي مفاوضات مقبلة، بما في ذلك المفاوضات مع إسرائيل، إذ إن بسط السيطرة على كامل الجغرافيا السورية يقلل من أوراق الضغط الخارجية، ويحدّ من فرص توظيف الفوضى كأداة سياسية أو أمنية في المنطقة.
وختم الحاج بالتأكيد على أنّ الوضع الجديد يضعف بشكل كبير احتمالات خلق الفوضى، ويدفع باتجاه تثبيت معادلات أكثر استقراراً، في ظل توافق إقليمي ودولي على ضرورة إنهاء الكيانات..
