
بقلم ياسمين شعبان
لم تكن العودة إلى التعليم الحضوري في منطقة الشويفات مطلع هذا الأسبوع مجرد روتين دراسي معتاد، بل تحولت إلى “مانشيت” أمني تصدر المشهد اللبناني. ففي الوقت الذي كان فيه الطلاب يستعدون لحزم حقائبهم، كانت إحدى التلميذات تخطّ رسالة عبر تطبيق “ماسنجر” موجهةً بشكل مباشرة إلى المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي “أفيخاي أدرعي”.
تضمنت الرسالة ادعاءًا خطيراً بوجود مخازن أسلحة في ملجأ المدرسة، ولم يكد الحبر الرقمي يجف، حتى شهدت سماء المنطقة تحليقاً مكثفاً وغير اعتيادي للطائرات المسيرة الإسرائيلية التي استمرت تجوب الأجواء حتى ساعات الفجر لأولى، مما أثار حالة من الرعب والهلع بين سكان الجوار الذين استشعروا خطراً. وكانت الطفلة ،بكل براءة، قد أعلمت زملاءها الطلاب بهذه الرسالة الذين أعلموا بدورهم الأهل، وما كان من الأهل إلا إبلاغ الإدارة.
أمام هذا التهديد، استنفرت مديرية المخابرات حيث حضرت قوة إلى المكان وأجرت كشفاً دقيقاً و تحقيقات موسعة. النتيجة كانت ببساطة لا سلاح ولا مخازن، بل مجرد “حيلة طفولية” ابتدعتها التلميذة للهروب من استحقاق العودة إلى المقاعد الدراسية في يومها الأول.
بالرغم من أن الهدف كان “عفوياً” بنظر الطفلة، إلا أن الحادثة لم تمر مرور الكرام، بل فتحت الباب على مصراعيه أمام تساؤلات بديهية ومقلقة في آن واحد: كيف ولماذا استسهلت طفلة في هذا العمر كسر المحظور والتواصل مع جهة معادية بكل بساطة؟
أبو إسماعيل يحلل “ظاهرة أدرعي” في لبنان
في قراءة لموقع “ديمقراطيا نيوز”، يرى الدكتور رمزي أبو إسماعيل، الأخصائي في علم النفس السياسي، أن الحادثة تتجاوز في أبعادها مجرد هروب تلميذة (13 عاماً) من الامتحانات والدراسة، لتكشف عن أزمات عميقة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- “أفيخاي” كشخصية متاحة وكسر الحواجز: تكمن المشكلة الأولى في الصورة الذهنية التي نجح المتحدث الإسرائيلي في ترسيخها كشخص “متاح” وسهل الوصول إليه رقمياً. هذا الانفتاح الافتراضي يكسر الحواجز النفسية تدريجياً، ويدفع البعض لبناء “جسر ثقة” لا شعوري مع جهة معادية، بمجرد شعورهم بالقدرة على مخاطبتها والحصول على استجابة.
- سيكولوجية “القول والفعل”: ثمة قناعة خطيرة تشكلت لدى البعض بأن هذا الخطاب الإعلامي الإسرائيلي يتسم بـ “المصداقية التنفيذية”، أي أنه قادر على تنفيذ ما يتوعد به. هذه الثقة التي نُسجت عبر سنوات من المواجهات جعلت من أدرعي في نظر طفلة جهةً قادرة على إحداث تغيير ملموس (مثل إغلاق المدرسة)، وهو ما يسمى سيكولوجياً بالاعتقاد في كفاءة الآخر على “الفعل”.
- غياب الدولة والبحث عن “البديل القوي”: يشير د. أبو إسماعيل إلى أن لجوء الطفلة لجهة خارجية يعكس شعوراً دفيناً بعجز الدولة اللبنانية عن حماية الفرد أو التأثير في الواقع. فعندما يقتنع المواطن بأن الدولة غائبة أو غير قادرة على ضبط المجموعات الخارجة عن القانون، فإنه يميل لا إرادياً للجوء إلى “الطرف الآخر” الذي أثبت حضوراً وقدرة، حتى لو كان عدواً.
وينتقد الدكتور أبو إسماعيل إجراء توقيف الطفلة ووالدها، معتبراً أن ما جرى هو أزمة “نفسية-اجتماعية” لا تُحل بالعقاب الزجري. ويرى أن على الدولة بدلاً من ذلك دراسة الدوافع التي جعلت طفلة تختار هذا المسار المتطرف للهروب من امتحان، معرباً عن أسفه لدولة تعيش في عزلة عن شعبها.
ويختم د. أبو إسماعيل بالقول: “إن القيادات اللبنانية غير متاحة ولا تتواصل مع الناس، وعاجزة عن الفعل المؤثر، مما ترك الساحة فارغة تماماً لشخصيات مثل أدرعي لملء هذا الفراغ الاتصالي والسلوكي في وعي جيلنا الجديد”.
الغضبان: حادثة “مدرسة الشويفات”ع جرس إنذار
من جهتها، أكدت المحامية دينا الغضبان لموقع “ديمقراطيا نيوز” أن الواقعة التي شهدتها مدرسة الشويفات مؤخراً لا يمكن اختزالها في إطار الحوادث العابرة، بل هي في جوهرها جرس إنذار كاد أن يزج بالبلاد في كارثة وطنية كبرى لولا التدخل السريع والحاسم.
وأوضحت الغضبان أن خطورة الموقف استدعا تحركاً فورياً من الأجهزة الأمنية التي مشطت المدرسة للتأكد من زيف الادعاءات المتعلقة بوجود أسلحة أو صواريخ، وانتهت الإجراءات الأولية بترك الفتاة ووالدها رهن التحقيق، مما يعني قانوناً أن الملف لا يزال مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بما في ذلك إمكانية استدعاء الفتاة أو إعادة توقيفها وفقاً لما تقتضيه مصلحة التحقيق الذي لم يقل كلمته النهائية بعد، وهو ما يفرض علينا مراقبة دقيقة للمسار القضائي وما قد ينتج عنه من تدابير.
وفي تشريحها للمنظومة القانونية اللبنانية، شددت الغضبان على أن الدولة اللبنانية، وانطلاقاً من قوانينها النافذة والتزاماتها بالمواثيق العربية والدولية، تتبنى موقفاً حازماً تجاه أي شكل من أشكال التواصل مع العدو الإسرائيلي، حيث يعتبر قانون العقوبات العام والعسكري، وقانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام ١٩٥٥، أن أي تعامل مع الكيان الصهيوني هو عمل غير مشروع يستوجب أشد العقوبات. ع
وتابعت بأن المشرّع اللبناني ذهب بعيداً في حماية السيادة الوطنية، فجرّم ليس فقط التعاون المباشر، بل حتى التهاون أو تسهيل الأعمال المالية والتجارية والتطبيع بكافة صوره، وصولاً إلى التخابر الإلكتروني الذي يعاقب عليه القانون بغض النظر عن النية المحركة له، بل إن مجرد “عدم التبليغ” عن مثل هذه الجرائم يُصنف كتواطؤ جنائي نظراً لخطورة المساس بالأمن القومي.
وبالانتقال إلى الشق العقابي، لفتت الغضبان إلى أن مواد قانون العقوبات (من 273 إلى 287) قد خصصت لمثل هذه الجرائم عقوبات قاسية تتراوح بين السجن والأشغال الشاقة المؤقتة أو المؤبدة، وقد تصل في ظروف التشديد إلى عقوبة الإعدام، نظراً لأن الجرم يرتكب لصالح عدو محتل، وهي عقوبات تقترن أحياناً بتدابير احترازية قاسية تشمل الحرمان من الحقوق المدنية أو حتى إسقاط الجنسية اللبنانية.
إلا أن الغضبان لم تغفل الجانب الإنساني في قضية طفلة الشويفات، معتبرة أن سلوكها ينم عن خلفياتغ اجتماعية ونفسية معقدة تشترك فيها مع جيل يعيش في خضم العنف وصوت الطائرات والقصف، مما أفقد هؤلاء الأطفال القدرة على التمييز بين الواقع والمزاح الرقمي الخطير، وهو ما يستدعي من الإدارات المدرسية والجهات التربوية إطلاق حملات توعية قانونية مكثفة لتعريف القاصرين بمعنى المواطنة وتبعات أفعالهم من الجانب القانوني.
وختمت المحامية الغضبان بدعوة ملحة للأهل بضرورة ممارسة رقابة واعية على نشاط أبنائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفهم احتياجاتهم النفسية بعمق، خاصة وأن مجرد شعور عابر بعدم الرغبة في الذهاب إلى المدرسة قد يورط طفلاً في مأزق أمني وسيادي لا يحمد عقباه.
وأكدت على ضرورة احتضان الطفلة في هذه المرحلة الحرجة بدلاً من الحكم عليها أو التنمر عليها مجتمعياً، مشددة على أن العدالة يجب أن توازن بين صرامة القانون وبين واقع الطفولة التي تصرفت عن غير وعي، بانتظار ما ستسفر عنه نتائج التحقيقات النهائية التي ستحدد المسار القانوني والتربوي الأنسب لهذه الحالة.
