
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
كثيراً ما وقفتُ أتأمل ملامحي في المرآة، لا لأرصد علامات الزمن، بل لأتساءل عن ذلك “الغريب” الذي يسكن خلف العينين. هل هذه الملامح، بطباعها وانكساراتها، مجرد إرث جيني من أجداد غابرين لم ألتقِ بهم قط؟ أم أنها وعاء لروح فريدة تحاول جاهدة صياغة معناها الخاص؟ هذا التساؤل الذاتي ليس إلا صدى لسؤال كوني أكبر انطلق قبل قرن ونصف، حين وقف تشارلز داروين أمام بحر الجهل، ولم يرمِ فيه إجابة جاهزة، بل ألقى حجر سؤالٍ دوّى عبر الزمن: مَن نحن؟
لم يكن داروين يهدف للحط من شأن الإنسان حين ربط أصله بسلاسل بيولوجية مشتركة، بل كان يطرح حقيقة أكثر هدوءاً وإرباكاً: نحن لسنا مركز الكون المطلق، بل غصنٌ نضير في شجرة عملاقة، تمايلت في ريح الزمن الطويلة لتشكل ملامحنا الحالية. هذا الإدراك يعيد تشكيل فلسفتنا الوجودية بأكملها؛ فنحن جزء من سياق الأرض، لا أسياداً منفصلين عنها.
فلسفة النشوء: من الظاهر إلى الجوهري
إن الطبيعة لا تحب المفاجآت الصادمة، فهي لا تقفز فجأة من حال إلى حال، بل تتحرك بهدوء شديد وكأنها تمشي على أطراف أصابعها عبر الزمن. تلك التغيرات الصغيرة جداً في أجسادنا ليست مجرد حوادث صدفة، بل هي أشبه بحبات رمل تتراكم يوماً بعد يوم، لتبني جسوراً فوق الفراغات التي تركها من رحلوا قبلنا. المثير للدهشة فعلاً هو أن خلايا أجسادنا كانت تعرف ‘سر اللعبة’ وتنفذ تعليمات الحياة بدقة مذهلة، قبل أن يكتشف العلم بقرون طويلة ما حاول داروين تفسيره. كانت الحياة تكتب قصتها داخلنا بصمت، بينما كنا نحن غافلين لا نعرف حتى كيف نقرأ حروفها.
ومن هنا يولد سؤال يمسّنا جميعاً: إذا كان جسدي يتغير باستمرار، وتُحذف منه خلايا وتُضاف أخرى دون استئذان مني، فأين تقع (أنا) الحقيقية في كل هذا الزحام؟ هل أنا مجرد آلة بيولوجية تسيّرها قوانين الطبيعة، أم أن هناك في داخلي روحاً حرة، وصوتاً فريداً يتجاوز حدود اللحم والدم؟ متى يتوقف الجسد عن كونه مجرد (مادة) ليبدأ في كونه (إنساناً) يشعر ويفكر؟
هذا التداخل يذكرني دائماً بحيرة إيليا أبو ماضي في “طلاسمه” حين قال:
قَد سَأَلتُ الروضَ هَل يَعرفُ طيبَه.. فَأَجابَ الروضُ: لا أَدري
نحن، مثل ذلك الروض، نحمل في جيناتنا أسراراً قد لا ندرك كنهها تماماً، لكننا نعيشها كفعل وجودي مستمر، حيث يمتزج الجسد بالوعي في رقصة أزلية لا تنتهي.
وهم الثبات.. هل نحن أنهارٌ تجري أم صخورٌ جامدة؟
إن أعظم ما يعلمنا إياه التطور ليس أصلنا فحسب، بل إنه يكسر فينا (وهم الثبات). هو يهمس في آذاننا برفق: أنتم لستم لوحة اكتملت ووُضعت في إطار، بل أنتم (مسودات) جميلة قيد الكتابة، وفصول في حكاية لم يعرف أحدٌ نهايتها بعد. هذا التغيير ليس ذكرى من الماضي البعيد، بل هو نبضٌ يحدث الآن؛ ففي أعماق البحار، لم ينتظر شعب (الباجاو) معجزة ليتنفسوا تحت الماء، بل إن أجسادهم، وبمحبة فطرية للحياة، طورت طحالاً أكبر وعيوناً ترى بوضوح تحت الضغط المائي. لم يقرروا ذلك بعقولهم، لكن أجسادهم استجابت لنداء البحر، وكأن الجسد يقول: (سأتشكل لأجلك، لكي تبقى).
هنا، يصبح التطور مرآةً لنفوسنا قبل أجسادنا. فإذا كان شكلنا الخارجي يلين ويتغير ليتصالح مع الطبيعة، فماذا عن عالمنا الداخلي؟ هل أفكارنا، وقناعاتنا، وحتى قيمنا التي نتمسك بها، هي أيضاً كائنات حية تتنفس وتتطور لكي تساعدنا على الصمود نفسياً أمام عواصف الحياة؟ هذا الإدراك يغير نظرتنا لأنفسنا تماماً؛ فالهوية ليست صخرة صلبة قد تتحطم، بل هي نهرٌ متجدد، قد يغير مجراه لكنه لا يتوقف أبدًا عن الجريان.
جمال الانكسار.. هل نحن مادةٌ تحلم؟
هذا الفهم الجديد للحياة لا يسلبنا قدسيتنا، بل يمنحها معنىً أكثر حيوية ودفئاً؛ فالمعنى ليس وجهةً نهائية نصل إليها ونتجمد عندها، بل هو ‘الرحلة’ نفسها بكل تعثراتها. السؤال الذي يشغل بالنا اليوم ليس ‘من أين بدأنا؟’، بل ‘ماذا سنفعل بكل هذه الرقة والهشاشة التي نحملها؟’. كيف نعيش ونحن ندرك أننا مجرد احتمال عابر، أو ربما مجرد جسرٍ لطيف يربط بين ماضٍ سحيق ومستقبلٍ أرقى لم يولد بعد؟
إن الجمال الحقيقي يسكن في ذلك ‘النقص’ الذي فينا؛ فنحن لسنا تماثيل رخامية باردة وصماء، بل نحن كائنات من طين حي، تشكلنا المسارات التي نختار المشي فيها. وفي النهاية، يتركنا التطور أمام سؤاله الأكبر والأكثر إثارة: إذا كان كل شيء فينا يتغير، خلايانا، ملامحنا، وحتى ذكرياتنا، فأين تختبئ تلك الـ (أنا) الحقيقية؟ هل وعينا بأنفسنا هو مجرد ‘حلم جميل’ نسجه الدماغ ليساعدنا على البقاء، أم أن في أعماقنا (شاهداً) صامتاً، ونوراً باطنياً يراقب كل هذا التغيير من حوله بينما يظل هو ثابتاً، هادئاً، ولا يتغير؟
حين تُبصر الحياةُ ملامحها فينا
لقد استغرقت الطبيعة رحلةً هائلة، امتدت لملايين السنين، لتبتكر في النهاية كائناً يمتلكُ تلك الموهبة المدهشة: القدرة على الوقوف، والتأمل، والسؤال عن المعنى. وكأن الحياة في تدفقها المستمر، أرادت أن تصنع لنفسها (مرآةً) أخيرة، فصقلت وعينا لنكون نحن العيون التي تُبصر بها جمالها، والعقول التي تدرك بها عظمتها لأول مرة.
حين أغلقُ كتاب العلم وأعودُ لممارسة تفاصيل يومي البسيطة، أشعرُ بسلامٍ عميق؛ فأنا لستُ مجرد ‘ناقل بريد’ يحمل شفرات جينية من الماضي إلى المستقبل، بل أنا خيطٌ حيّ في نسيج كونيّ ممتد، أضع فيه بصمتي بينما يضع فيّ قوانينه. نحن، باختصار، ذلك الاحتمال البعيد الذي تجسد أخيراً في وعي، والوعي الذي لا يملّ من المحاولة لكي يلمس الحقيقة.
