في مقاربة ايجابية لمشروع قانون الفجوة المالية

بقلم الدكتور طلال خواجه- ديمقراطيا نيوز

حين قرأ الرئيس نواف سلام العناوين العريض لمشروع حكومته لردم الفجوة المالية،كان محاطا بوزير المالية ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط وحاكم المصرف المركزي كريم سعيد.
و هؤلاء الأشخاص الاربعة يحملون في جعبتهم الفكرية حصيلة تاريخ مركب من الانتماءات الثقافية والسياسية والمهنية والعائلية والمناطقية والطائفية.
فمنهم القاضي المثقف ومنهم رجل الاعمال الناجح ومنهم الاختصاصي البارز في عالم المال والنقد والمصارف، علما ان جميعم يحمل في جعبته تجارب مهنية مميزة في المحافل و المؤسسات الدولية.
هذه الشخصيات ذات الوزن العالي شكلت الركيزة الاساسية لاخراج مشروع القانون من عنق قارورة المماحكة و المناكفة و المكاذبة والكيدية و المفاسدة. وهي القارورة التي حجزت فيها جميع المحاولات والمناشدات لاخراج البلد من ازمة نقدية و مالية واقتصادية غير مسبوقة عالميا منذ قرنين تقريبا، على ما سمعنا من تقارير مؤسسات دولية احترافية يتقدمها البنك الدولي.
و هذا الحجز قامت به سلطة فاسدة سياسيا و محمية من فائض قوة مليشياوية مدججة ايديولوجيا و فاسدة وطنيا.
وغني عن البيان ان الطبقة السياسية اللبنانية الطائفية و القبائلية بمجملها، و رغم تلاوينها الكثيرة، ساهمت الى حد كبير بسجن الحلول المنطقية و الممكنة والتي اخذت مسميات مختلفة؛ كابيتال كونترول؛ انعاش او انتظام مالي، ازمة نظامية ام أزمة حوكمة وادارة، و ما الى ذلك من مسميات بدأ اللبنانيون يسمعونها مند انفجار هذه الازمات المعتملة في تشرين اول ٢٠١٩.
و قد شكل سحب الوزير وزني مشروع الكابيتال كنترول الذي قدمه لحكومة الثنائي/ عون بطلب من مرجعيته فضيحة مدوية و مؤشرا للقادم المفجع على بلد الارز. كما انكشف حجم التداخل بين ادارات المصارف و جماعة الاقتصاد و المال و اركان الطبقة السياسية في البلد، ما جعل مشاريع الحلول اكثر تعقيدا وابعد منالا واكثر كلفة على المودعين و على البلد عموما وسادت معزوفة قدسية الودائع بين جميع معظم الطبقة السياسية وهي القدسية التي غطت معظم الرذائل المالية.
و قد سمح هذا الواقع للحاكم السابق سلامة ان يتفرعن و يتسيد الساحة و يشكل عبر التعاميم والقرارات بدلا عن ضائع، اراح المسؤولين والسياسيين واصحاب المصارف، مافيوزيين و ميليشياويين و بنكرجية، الى حد كبير رغم خلافاتهم واختلافاتهم العلنية والمضمرة. خصوصا بعد تعثر انتفاضة الغضب التشريني و بعد جريمة المرفأ المدمرة والمروعة التي وضعت وشاحا اسودا على وجه ام الشرائع بيروت، نأمل ان يبدأ بالانحسار مع القرار الظني المرتقب من القاضي بيطار، متشجعين بقرار ادانة وتغريم علي حسن خليل و غازي زعيتر بدعوى عرقلة العدالة.
و قد ازاح الحاكم السابق بدهاء من درب الازمة المصرفية الفئات الدنيا من مودعي الليرة بعد تعميم الهيركات رقم ١٥١ عبر رشوة صغيرة من كيس الاخرين، (ترافقت مع الدعم الكارثي الكاذب الذي فرضته سلطة فاسدة متسلطة بفائض القوة المليشياوية)، ربما ليتسنى له ولجماعة المصارف و للسلطات عموما تنحيف و ربما تجفيف ودائع المودعين المستضعفين والمنكل بهم بعد “جرائم التحويل المشبوه للنافذين والمصرفيين والمافيويين والمحظيين” التي بدأت قبل ٢٠١٩ و تعاظمت خلال الاغلاق الاسود واستمرت سنوات لاحقا.
لم تكد الحكومة تقر مشكورة روع الفجوة المالية بشق النفس وبتصويت مثير و لافت حتى بدأ استلال السكاكين من كل حدب و صوب. و هذا بديهي و متوقع في بلد كلبنان رغم ان المشروع يحمل ايجابيات كثيرة اهمها.

أولًا: لان الحكومة تجرأت و اقرت مشروعا بعد ٦ سنوات من انفجار الازمة.

ثانيًا: لأنه يلامس اوجاع الاكثرية الساحقة للشرائح الدنيا من مودعي الطبقة الوسطى باعتماد رقم ١٠٠ الف دولار للمودع دون اي اقتطاع مباشر، وهذا سيساهم بتحسين الثقة وضخ جرعة قوية في الاقتصاد المتداعي. (علما ان المشروع تجاهل شريحة مدخري الليرة “الغير المضاربين”).

و ثالثًا: لأنه حيد تسييل الذهب و اصول الدولة عموما من المشروع في هذه المرحلة، دون ان يتهرب بالكامل من مسؤولية الدولة عندما التزم بالمادة ١١٣ من قانون النقد والتسليف الذي يحتم على الحكومة تغطية مصرف لبنان الضامن الاساسي بموجوداته لمراحل المشروع و خصوصا لموضوع السندات الأكثر إثارة للجدل.

ورابعًا: لان فيه نفس محاسبة و تدقيق وان كان غير كاف بالطبع لان الجناة الاساسيين مازالوا متسيدين في الدولة العائمة و العميقة وهم يتوزعون السبكترم السياسي والمصرفي والمافيوزي اللبناني بالتعاضد والتكافل.

وخامسًا: لأنه ارسل رسالة ايجابية للمجتمعين العربي والدولي وللمؤسسات الدولية المالية، تضاف الى تقدم ملحوظ، وان كان غير كاف بالطبع، في موضوع حصر السلاح و تفكيك المليشيا والفصائل الذي يشكل المدخل الرئيسي لاستعادة سيادة الدولة ومواجهة اخطار التحولات الهائلة في العالم و في المنطقة وفي المقدمة الخطر الاسرائيلي الزاحف.
لن نستفيض في تناول سلبيات المشروع، اذ لم يجف حبر الانتقادات من كل حدب وصوب، بعضها يقع في النقد الايجابي خصوصا ما يتعلق بتوسيع المحاسبة واسترجاع الاموال و الغرامات سواء في موضوع عتبة القروض المرتفعة سواء في موضوع التحويلات الى الخارج، وخصوصا في موضوع الفساد والتدقيق الجنائي.
و كثر انتقدوا بشدة في المشروع اعتماد حواجز التأهيل( ضمن بند الحسابات الغير منتظمة) الموروثة من الفرعون رياض سلامة و التي آلمت و افقرت الكثيرين منذ صدور التعميم ١٥٨، كما طالبوا بمرونة و وضوح اكثر في موضوع السندات، قوة وقيمة وضمانات، وتوسيع دائرة الشرائح الاولى وتضييق عدد السنوات، خصوصا بالنسبة للمدخرين المتقاعدين والمسنين.
و غني عن البيان ان القصف الاعنف على المشروع اتى من اصحاب المصارف و من خلفهم طبقة سياسية متداخلة معها و من جهات مالية و مافيوية لا يهمها حتى لو سيلت الدولة كل موجوداتها لسداد الودائع السمينة واعفاء المصارف و كأنها تصفية تركة و ليس استعادة الدولة للسياسة والاقتصاد والاجتماع.
و كان ملفتًا ان يعقد الحاكم سعيد مؤتمرا صحفيا بدا، على اهمية و صدقية معظم ما جاء فيه،و كأنه يلاقي معارضي المشروع في دعوتهم الحكومة على تسسيل موجودات الدولة و اصولها لتسديد الودائع، ما اعاد اظهار الانقسام داخل الحكومة حول مشروع القانون. علما ان كثر تمنوا على الحاكم ان يكف يد اصحاب المصارف عن ملاحقة فلس الارملة و عن ابتداع مصاريف تشغيل وخلافه، فضلا عن تهرب بعضهم من الالتزام بحرفية التعاميم.
و بالمناسبة فاننا نلفت نظر الحاكم على ان تعميمه الوسيط رقم ٧٤٨ الصادر من شهرين لجهة استفادة الجمعيات والمؤسسات الفردية من التعاميم لم يطبق بعد.

الى المجلس النيابي در

و اذ تنتقل المواجهة الى المجلس النيابي، نرى ضرورة اعلاء الصوت الشعبي المدني الديمقراطي و المعتدل الذي يدعو لاقرار المشروع بعد ادخال التحسينات الضرورية والممكنة عليه في اطار معادلة حقوق المودعين/ اطلاق الاقتصاد/ محاسبة وعدالة.
وهنا تقع على النواب الديمقراطيين عموما و نواب التغيير خصوصا مهمة نقل هذا الصوت صارخا و تثميره داخل اللجان والجمعية العمومية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top