
بقلم ندى جوني
في ظل المتغيّرات المتسارعة التي يشهدها لبنان على مختلف المستويات، ولا سيّما استمرار الاعتداءات الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في 27 تشرين الثاني 2024، يواجه البلد مرحلة دقيقة تضاف إلى أزمة اقتصادية خانقة مستمرة منذ نحو ست سنوات، طالت مجمل القطاعات الحيوية في الدولة.
وفي هذا السياق، وصل وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي إلى لبنان يوم الإثنين في 26 كانون الثاني، في زيارة تهدف إلى بحث التطورات الأمنية والسياسية، والتأكيد مجدداً على وقوف دولة قطر الدائم إلى جانب لبنان ودعمها المستمر لاستقراره ومؤسساته، حيث التقى كلّ من رئيس الجمهورية جوزاف عون في قصر بعبدا، ورئيس الحكومة نواف سلام، بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري.
ما هي مضامين زيارة الخليفي إلى بيروت؟
استهل الخليفي زيارته الرسمية إلى بيروت بلقاء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في قصر بعبدا، الذي شدّد بدوره على تقدير لبنان للدور الذي تلعبه دولة قطر في مساعدة البلاد على تجاوز ظروفها الصعبة، معتبراً أن المبادرات القطرية الجديدة تعكس عمق العلاقات الأخوية بين البلدين وتؤكد متانتها المتزايدة. كما أكد عون على المجهود الذي يبذله الجيش اللبناني جنوب الليطاني، رغم استمرار الإعتداءات الإسرائيلية على القرى والبلدات الجنوبية وامتدادها أحياناً إلى مناطق بقاعية، مشيراً إلى أن إسرائيل لا تلتزم باتفاق تشرين الثاني 2024 ولا بتطبيق القرار 1701، ما يحول دون عودة الأمن والاستقرار إلى الجنوب. كما لفت عون إلى استمرار الإتصالات قبيل انعقاد لجنة ” الميكانيزم ” الشهر المقبل، بهدف التوصل إلى نتائج عملية تسرّع إعادة الاستقرار، وانسحاب إسرائيل، وعودة الأسرى، وتمكين الجيش اللبناني من الإنتشار حتى الحدود المعترف بها دولياً، مشدداً على حاجة الجيش إلى معدات وآليات وتجهيزات تمكّنه من أداء مهامه الوطنية.
من جهته، أكد الخليفي أن لبنان يتصدّر أولويات قطر، مجدداً دعم بلاده للجيش اللبناني بوصفه مؤسسة وطنية محورية، ومشدداً على ضرورة الالتزام بقرار وقف الأعمال العدائية وتطبيق القرار 1701، مع إدانة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة وانتهاك السيادة اللبنانية. كما شدّد على أهمية دور المجموعة الخماسية، داعياً إلى تغليب المصلحة الوطنية العليا ولغة الحوار المباشر لتحقيق تطلعات الشعب اللبناني. وعقب لقائه رئيس الجمهورية، انتقل الخليفي إلى عين التينة حيث التقى رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي حمّله شكر لبنان واللبنانيين لقطر، أميراً وحكومة وشعباً، على وقوفها الدائم إلى جانب لبنان ودعمها المستمر للجيش اللبناني، إضافة إلى مساهماتها في إعادة إعمار ما دمّره العدوان الإسرائيلي. ووصف الخليفي اللقاء بالمميّز، مؤكداً استمرار التنسيق والتشاور في مختلف الملفات. كما التقى الخليفي رئيس الحكومة نواف سلام. وبعد المحادثات، عقد مؤتمر صحافي مشترك مع نائب رئيس الحكومة طارق متري، أعلن خلاله عن رزمة مساعدات قطرية عبر صندوق قطر للتنمية، بالتنسيق مع الجهات اللبنانية المختصة ووفق الأطر القانونية والمؤسسية المعتمدة. وتشمل هذه الرزمة دعماً واسعاً لعدة قطاعات حيوية. ففي مجال التمكين الاقتصادي والطاقة، أعلنت قطر تقديم منحة بقيمة 40 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء، بالتوازي مع مشروع اقتصادي بقيمة 360 مليون دولار لدعم القطاع نفسه، يستفيد منه نحو مليون ونصف مشترك في معظم المناطق اللبنانية. وفي قطاع التعليم، سيتم تقديم 185 منحة دراسية على مدى ثلاث سنوات لدعم التحصيل العلمي للشباب اللبناني. كما أُعلن عن إطلاق مبادرة “الرياضة من أجل التنمية والسلام” لصالح نحو 4400 طفل وشاب في المناطق المتأثرة بالنزاع، بهدف تعزيز الحماية الاجتماعية والحد من العنف.
وفي القطاع الصحي، كشفت قطر عن مشروع إعادة بناء مستشفى الكرنتينا في بيروت، الذي تضرّر بشكل كامل جراء انفجار مرفأ بيروت، إلى جانب استمرار البحث في ملفات دعم إضافية للقطاع الطبي. أما على صعيد ملف النزوح، فأعلن الخليفي إطلاق مشروع دعم العودة الطوعية والآمنة للنازحين السوريين من لبنان إلى سوريا، بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، بكلفة 20 مليون دولار في مرحلته الأولى، ويستهدف نحو 100 ألف شخص، مع مقاربة إنسانية متكاملة تشمل تأمين السكن والغذاء والدواء قبل العودة وبعدها، موجهاً الشكر إلى الحكومة السورية على تعاونها في تسهيل تنفيذ هذا المشروع.
وأكد الخليفي من السراي أن قطر تشيد بجهود الحكومة اللبنانية الإصلاحية رغم الصعوبات والتحديات، مجدداً التأكيد على أن استقرار لبنان يشكّل مدخلاً أساسياً لاستقرار المنطقة، وداعياً إلى ترسيخ دور مؤسسات الدولة وتعزيز الحوار بين مختلف الأطراف.
وفي الإطار الأمني، استقبل قائد الجيش العماد رودولف هيكل الخليفي في مكتبه في اليرزة، حيث جرى البحث في الأوضاع العامة في لبنان والتطورات في الجنوب وسبل دعم الجيش في ظل التحديات الراهنة. وأعرب العماد هيكل عن شكره للدعم القطري المستمر الذي يساهم في تعزيز أمن لبنان واستقراره.
كما شملت الزيارة لقاءات إضافية، أبرزها استقبال الخليفي في مقر السفارة القطرية في بيروت النائبة السابقة بهية الحريري، حيث جرى بحث الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة، وجدّد الوزير القطري دعم بلاده الدائم لاستقرار لبنان.
إلى ماذا تهدف الزيارة؟
تتجاوز زيارة الوزير القطري إلى بيروت إطار الدعم الإنساني والاقتصادي، مشكّلة بدورها رسالة سياسية مزدوجة الإتجاه. فمن جهة، تؤكد قطر تمسّكها بدورها كفاعل إقليمي داعم لاستقرار لبنان ومؤسساته الشرعية، وخصوصاً الجيش اللبناني، في مرحلة دقيقة تتداخل فيها الضغوطات الاقتصادية مع التوترات الأمنية جنوباً. ومن جهة ثانية، تعكس الزيارة محاولة قطرية لإعادة تثبيت مقاربة شاملة للاستقرار، تقوم على الربط بين الأمن والتنمية والإصلاح، بإعتبار أن أي دعم مالي أو إنساني يبقى غير كافياً ما لم يترافق مع تعزيز دور الدولة ومؤسساتها.
كما تحمل الزيارة بعداً إقليمياً واضح، في ظل تعثّر الحلول السياسية في المنطقة وتراجع زخم المبادرات الدولية اتجاه لبنان، إذ تسعى الدوحة إلى ملء جزء من هذا الفراغ عبر تحريك قنوات التواصل مع مختلف المرجعيات الدستورية، وإعادة التأكيد على أولوية الحوار والالتزام بالقرارات الدولية، ولا سيما القرار 1701.
