
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
كثيراً ما يباغتني السائلون، في ردهات العمل المصرفي أو في النقاشات الحادة التي تضج بها أروقة الفكر والمنتديات الرقمية اللبنانية، بسؤالٍ يبدو في ظاهره مالياً وفي جوهره وجودياً: “هل نشتري الذهب اليوم وقد بلغ الخمسة آلاف؟ وهل للفضة مكان في محفظة خذلها اليقين؟”.
إن الوقوف عند عتبة الـ 5300 دولار للأونصة و 114 دولار للفضة، ليس مجرد رصد لتقلبات بورصة “وول ستريت”، بل هو قراءة في تحول بنيوي يشهده النظام العالمي منذ عام 2022؛ حيث بدأ “العقد الاجتماعي المالي” الذي ساد لعقود بالتآكل لصالح عودة الأصول الصلبة، كفعل احتجاج صامت ضد هشاشة النظام النقدي الورقي العالمي.
فلسفة الارتفاع: من “النقد السياسي” إلى “الملاذ الفيزيائي”
لكي نفهم لماذا وصلنا إلى هذه القمة التاريخية، لا بد من تفكيك المشهد منذ شباط 2022؛ تلك اللحظة التي لم تكن مجرد صراع عسكري، بل كانت “الانفجار العظيم” في النظام النقدي الذي ساد منذ الحرب العالمية الثانية.
1. “عسكرة الدولار” ونهاية الحياد النقدي:
حينما اتخذ القرار الدولي بتجميد الأصول والسيولة السيادية لـ روسيا، حدث شرخ عميق في مفهوم “الملكية الدولية”. أدركت البنوك المركزية عبر القارات أن الدولار لم يعد “مستودعاً محايداً للقيمة”، بل استُخدم كـ “سلاح جيوسياسي” (Weaponization of Finance). هذا التحول دفع القوى الاقتصادية الصاعدة إلى تبني استراتيجية “تصفية المخاطر السيادية”، فاستبدلت صكوك المديونية الأمريكية بـ “الذهب المادي” الذي لا يمكن إغلاقه بضغطة زر. الذهب اليوم هو إعلان عن ولادة نظام نقدي متعدد الأقطاب.
2. فخ “العجز المزدوج” والقمع المالي:
ومع تفاقم المديونية الأمريكية التي تجاوزت الـ 36 تريليون دولار في مطلع 2026، دخل الاقتصاد العالمي مرحلة “القمع المالي”. لقد أدرك المستثمرون أن المصارف المركزية الكبرى باتت عاجزة عن رفع الفائدة لمستويات تكبح التضخم دون التسبب في إفلاس الحكومات، مما جعل “العائد الحقيقي” على العملات الورقية سالباً. هنا، يتألق الذهب كأصل وحيد “لا يحمل مخاطر الطرف الآخر”؛ فهو لا يعتمد على وعود أي حكومة بالوفاء بمديونيتها.
3. “انزياح الثروة” نحو الشرق:
لم يعد “وول ستريت” المحرك الوحيد للسعر. ففي عامي 2024 و2025، شهدنا انزياحاً تاريخياً لمركز الثقل المالي نحو آسيا. في الصين، ومع أزمات القطاع العقاري، هربت السيولة الفردية من “الخرسانة” إلى “الغرامات”، حيث لجأ الملايين من صغار المدخرين لتحويل أموالهم لسبائك ذهبية، مما خلق ضغطاً مستمراً على المعروض العالمي لم تستطع المناجم مواكبته.
4. الفضة.. “الذهب التكنولوجي” الجديد:
أما الفضة، التي استقرت عند 114 دولار، فقد خرجت تماماً من عباءة المضاربة لتصبح عصب الثورة الصناعية الرابعة. نحن نعيش في 2026 “عجزاً هيكلياً” في الإمدادات؛ فالمناجم عاجزة عن تلبية الطلب الهائل لقطاعي الذكاء الاصطناعي والتحول الأخضر. وبما أن الفضة تُستخرج غالباً كمنتج ثانوي، فإن زيادة إنتاجها تتطلب سنوات، مما جعل الـ 114 دولار سعراً يعكس ندرة في مادة لا يمكن للتكنولوجيا المعاصرة أن تستمر بدونها.
الذاكرة اللبنانية: الذهب كفعل مقاومة وجودية
في لبنان، يتجاوز الذهب كونه مجرد أداة استثمارية ليصبح “العقيدة المالية” التي لم تخذل أصحابها عبر العقود. هو “خزينة الأمان الأخيرة” لعائلات عاينت بمرارة انهيار القواعد الائتمانية التقليدية. الذهب في الوجدان اللبناني هو فعل “مقاومة مدنية” واعية ضد تآكل القوة الشرائية، ودرعٌ فيزيائي يحمي “شقاء العمر” من جائحة التضخم الكوني.
بيد أن الحكمة المهنية تفرض علينا اليوم وضع حد فاصل ومقدس بين “الادخار بغرض التحوط” وبين “الاندفاع بغرض المضاربة” عند القمم السعرية. إن الاندفاع نحو الشراء والذهب يلامس الـ 5300 دولار، قد يحول “الملاذ الآمن” إلى فخ مالي. فالسوق الذي صعد بروافع جيوسياسية حادة، قد يمر بمراحل “تصحيح” قاسية إذا ما حدثت انفراجات ديبلوماسية مفاجئة.
لذا، تبرز ضرورة التخطيط المالي الرصين الذي يتجنب “سيكولوجية الحشود”. إن الاستثمار الرشيد في هذه المرحلة الحرجة يعتمد على مبدأ “التراكم التدريجي” لا الاندفاع الانفعالي؛ أي توزيع عمليات الشراء لكسر حدة السعر، وضمان توزيع الأصول بذكاء بحيث يظل الذهب “صمام أمان” للمستقبل، لا غلاً يقيد السيولة النقدية الضرورية لإدارة شؤون الحياة والعمل.
مآل الاستثمار في زمن القلق: كرامة المدخرات أولاً
إننا، وفي هذه اللحظة التاريخية، لا نشتري الذهب والفضة لنغتني سريعاً، بل نقتنيها لكي نحافظ على “كرامة المدخرات” في عالم يعيد تعريف القيمة. الذهب بـ 5300 دولار هو صرخة احتجاج ضد “التضخم الكامن” الذي نخر عصب الاقتصاد العالمي. أما الفضة بـ 114 دولارا، فهي الاعتراف الصريح بندرة الموارد الفيزيائية الملموسة أمام طوفان الأرقام الرقمية.
نصيحتي لكل مهتم: اجعل من الذهب والفضة جزءاً من “سيمفونية مالية متزنة”؛ حيث تتناغم الأصول المادية مع السيولة النقدية والاستثمارات الإنتاجية. لا تجعل من المعدن الصك الوحيد في محفظتك، ففي الاقتصاد، كما في الفكر والثقافة، يبقى “التوازن” هو الحارس الوحيد من الانكسار عند المنعطفات الحادة للتاريخ. إن حماية الثروة في زمن الارتياب لا تبدأ من امتلاك المعدن فحسب، بل من امتلاك الوعي في كيفية إدارة هذا المعدن وسط العواصف.
