بقلم حسن درغام – عضو المكتب السياسي في “تيار المستقبل”

بالرغم من الحشود العسكرية الاميركية الضخمة لا أرى ان الحرب على ايران
واقعة حتماً وان كانت احتمالًا يبقى قائماً خاصة ان المقصود بكل هذا الضغط الاميركي هو حماية المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة عامة والخليج خاصة ..
وما الضغط العسكري على طهران سوى محاولة لإقصاء آخر للصين عن مصادر الطاقة التي تبقى المنافس الاقتصادي الأول لها على مساحة العالم .
وها هو ترامب بحطوات تصعيدية خاطفة ومتلاحقة من فنزويلا إلى غرينلاند يحاول تجنب المواجهة المباشرة مع الصين والتعويض عنها بحصار لمصالحها الجيوسياسية والاقتصادية والتي تمثل ايران نقطة ارتكاز أساسية لها ، ولطالما شكلت بوابة غرب اسيا للصين التي تربطها بقلب الشرق الأوسط، والخليج وأوروبا، وآسيا الوسطى .

من هنا تبدو الأساطيل وحاملات الطائرات الاميركية وفي مقدمها حاملة الطائرات لنكولن التي وصلت إلى الخليج لا تهدف في المقام الأول من قلب نظام ولاية الفقيه الحاكم في ايران او تحجيم قدراتها النووية اوتقليص مدى صواريخها البالستية بقدر ما تهدف إلى تقطيع أواصل قلب الحزام الاقتصادي الصيني التي يمثله موقع ايران الحيوي على طريق الحرير الذي عبّدته الصين على مدى مئات السنين ما سمح لها الوصول إلى أسواق الشرق الأوسط والخليج وأوروبا وتركيا برياً عبر شبكة سكك الحديد، وبحرياً عبر الموانئ الإيرانية في بندر عباس الذي يحتل موقعاً استراتيجياً فائق الأهمية على مضيق هرمز، الذي يُعد من أهم الممرات المائية في العالم لتجارة الطاقة والشحن البحري. وهو يمثل حجر الزاوية في ممر النقل الدولي شمال-جنوب الذي يربط المحيط الهندي بروسيا وأوروبا وميناء تشابهار (Chabahar Port) المطل على المحيط الهندي والذي يُعرف بـ “بوابة المحيط” لكونه الميناء الإيراني الوحيد المطل مباشرة على المحيط الهندي.

من هنا ملفت تراجع الرئيس الاميركي ترامب عبر سيل من تغريداته من قصف إيران إلى محاصرة ناقلات النفط التي تخرج منها والتي تشكل الوجهة الصينية اكثر من 90% من إنتاجها ما يعادل ١،٣ مليون برميل يومياً ..

ومن هنا الموقف الصيني العالي النبرة اليوم حيث صرح مندوب الصين في مجلس الأمن (والخارجية الصينية) بأن بكين تعارض بشدة أي استخدام للقوة أو “التهديد باستخدامها” في العلاقات الدولية. وأكد المندوب أن تكرار التهديدات العسكرية من قبل واشنطن يدفع المنطقة نحو “هاوية غير متوقعة”، واصفاً هذه التوجهات بأنها عودة إلى “قانون الغابة” الذي يتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة.
كل هذه الحسابات الاميركية ليست بعيدة عن ذلك الاتفاق المسمى “برنامج التعاون الشامل لمدة 25 عاماً”، التي وقعته ايران مع الصين في آذار 2021 في طهران والذي يعتبر خارطة طريق استراتيجية لبكين بحيث تعمل على استثمار ما يقارب ال ٤٠٠ مليار دولار في قطاع الاتصالات وطرق المواصلات وسكك الحديد والبنية التحتية لمصافي النفط في مقابل دمج إيران بشكل كامل في المنظومة الاقتصادية الصينية مقابل تأمين احتياجاتها من النفط لمدة ٢٥ عام !!

لذا، يبدو ان كل تلك الحشود العسكرية الاميركية تهدف الى تقليص حجم ودور ايران في المنطقة ودفعها إلى التوقيع تحت الضغط على اتفاق نووي آخر يشل قدراتها في الإقليم ويبعدها خطوات كثيرة من ان تكون عضواً مؤثراً في منظمة شنغهاي وعضواً فاعلاً في دول البريكس وتهديد استراتيجي لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط !.

حذّر هنري كيسنجر مهندس التقارب الاميركي الصيني في السبعينات بلقاءاته الأخيرة قبل رحيله أواخر 2023 من أن التنافس الاقتصادي تحوّل إلى سباق تسلح تكنولوجي. واعتبر أن تفوق الصين في الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقدم تقني، بل هو “تغيير في طبيعة الوعي البشري والقوة”.

ورأى أن الصين وأمريكا هما الدولتان الوحيدتان القادرتان على تدمير العالم ليس فقط بالسلاح، بل عبر السيطرة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.

كان كيسنجر ينتقد السياسة الأمريكية التي تدفع باتجاه المواجهة الاقتصادية مع الصين لأن بنظره انهيار دولة بهذا الحجم سيؤدي إلى فوضى عالمية شاملة وحروب أهلية ستدفع البشرية ثمنها.
وطالب واشنطن بالاعتراف بأن للصين “مصالح اقتصادية مشروعة” ناتجة عن تاريخها الطويل كإمبراطورية كبرى. داعياً إلى التعايش التنافسي بين القطبين وإيجاد نظام عالمي جديد يعترف بالصين والتسليم بقوتها الاقتصادية الكبرى، والكف عن محاولة محاصرتها وإقصائها لأنه حتماً سيقود العالم إلى كارثة ..

وفي مقاربة كيسنجر حول “الواقعية السياسية” Realpolit كان يرى أن القوة العظمى لا تفرض سيطرتها بالسلاح فقط، بل بقدرتها على صناعة الاستقرار الذي يخدم مصالحها
الاقتصادية.
هكذا تفعل الصين اليوم ، فماذا سيفعل ترامب ؟؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top