
بقلم الياس عيسى الياس – ديمقراطيا نيوز
”كل مكان لا يُؤنث.. لا يُعول عليه”
في عبارة لافتة نُسبت إلى الشيخ الصوفي محيي الدين بن عربي، نجد مفتاحاً لفهم واقعنا اليوم: “كل مكان لا يؤنث، لا يعول عليه”. للوهلة الأولى، قد تبدو الكلمة غريبة. لكنها باختصار تختصر فلسفة الأمان. فالمكان الذي لا يمتلك “روحاً” تحتضن الناس، لا يمكننا أن نثق به. وما لا يمنحنا الطمأنينة، لا يمكن أن نبني عليه مستقبلاً.
الأنوثة هنا ليست مجرد جنس. إنها صفة “الاحتواء”. هي تلك الطاقة التي تحول الجدران الصماء إلى وطن. المكان الذي “يؤنث” هو الذي يتسع للجميع. هو الذي لا يكسر من يلجأ إليه بصلابة صخرية. الذكورة في معناها الرمزي تمثل القوة والوضوح. لكن هذه القوة إذا لم تلطفها “أنوثة” الرحمة، تحولت إلى يباس وجفاء. أي بيت، أو مؤسسة، أو فكرة، لا تفتح ذراعيها للناس كالأم، هي مكان “لا يعول عليه”. ببساطة، لأنها تفتقر إلى أهم صفة للحياة: الأمان.
وإذا نظرنا في التاريخ، سنجد دروساً بليغة. حضارة الإغريق القديمة كانت مهد الديمقراطية. لكنها ارتكبت خطأً فادحاً. جعلت “الميدان العام” ذكورياً بامتياز. أقصت المرأة خلف الجدران. والنتيجة كانت ديمقراطية تقوم على صراع القوى والجدال الجاف. غابت عنها “روح الرعاية” التي تضمن استقرار المجتمعات. يرى البعض أن انكسار تلك الحضارات كان سببه هذا العطش إلى “اللين”. العظمة التي لا تحمي الضعيف هي عظمة هشة. لا يصمد بنيانها طويلاً أمام عواصف الزمن.
هذا “المكان” ليس مجرد جغرافيا. هو “الإنسان” نفسه. فداخل كل رجل جانب نحتاجه ليكون إنساناً مكتملاً. هو جانب الرحمة والقدرة على الإنصات والتعاطف. الرجل الذي يرفض أن يلين قلبه يتحول إلى مكان موحش. لا يصلح أن يكون شريكاً أو قائداً ناجحاً. القوة الحقيقية هي التي تعرف متى تنحني لتمسح دمعة. والقيادة العظيمة هي التي تستوعب الاختلاف. كل قلب لا يسكنه الحنان هو قلب “لا يعول عليه” في الأزمات.
وحتى في ضجيج الساحات، يبرز «تأنيث» الميادين كسرٍّ خفيّ لصمودها. المرأة هناك ليست مجرد رقم في حشد، بل هي البوصلة الأخلاقية التي تحمي الغضب من الهياج، وتمنعه من الانزلاق نحو العنف العبثي. تماماً كما فعلت «ماريان» حين استحالت رمزاً للجمهورية الفرنسية؛ تلك المرأة التي لم تكن تحمل سلاحاً بقدر ما كانت تحمل روحاً تحتضن الجميع تحت رداء واحد. الأنوثة في الميدان هي التي تُروّض القسوة، وتُحوّل صرخة الاحتجاج إلى نشيدٍ للحياة.
أتذكر نفسي في أحد الميادين اللبنانية، حين شعرت بأن حضور النساء حولنا يخفف من وطأة الصخب ويحول الحراك إلى فضاء يأمن فيه الجميع. في تلك اللحظات، يتحول الميدان من ساحة غضب جافة إلى “بيت كبير” يضج بالأمل والألفة. الأنوثة هنا تعني الصمود الصبور. وتعني أن الثورة لم تعد مجرد “تمرد خشن”. بل أصبحت “فعل ولادة” لوطن جديد يسع الجميع دون استثناء.
نحن نعيش اليوم في عالم يزداد قسوة. عالم تحكمه لغة الأرقام والمصالح الضيقة. ما أحوجنا اليوم لاستعادة هذه الفلسفة لنداوي بها جراحنا. نحتاج أن “نؤنث” كل شيء حولنا. أن نؤنث بيوتنا بالمودة، ومكاتبنا بالتقدير، ومدننا بالجمال، وسياساتنا بالرحمة.
السياسة التي لا تعرف الرحمة هي مكان لا يُعول عليه. والوطن الذي لا يحنو على أبنائه، يظل وطناً ناقصاً مهما بلغت قوته. إن حاجتنا لـ “تأنيث العالم” هي في الحقيقة حاجتنا للبقاء. كل بناء لا يشعرك بدفء الحضن، وكل قانون لا يراعي ضعف الإنسان، وكل مكان لا يتسع للاختلاف.. هو مكان زائل. ومهما علا بنيانه، سيبقى دائماً “لا يعول عليه”.
