لا يسقط مسؤول حتى لو سقط الوطن كله فوق رؤوسنا

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​في طرابلس اليوم، لم ينهار بناء من حجر وكلس؛ بل انهارت آخر قلاع الزيف التي تتستر بها منظومة تعيش على امتصاص دماء الضعفاء. إن مأساة “باب التبانة” ليست حادثاً عابراً في سجل الأقدار، وليست مجرد تصدع في جدار قديم، بل هي جريمة قتل مكتملة الأركان، نُفذت بدم بارد، بطلها الإهمال الممنهج، ومسرحها أبنية تحولت بفعل الفقر والنسيان إلى توابيت أسمنتية، تنتظر فقط ساعة الصفر لتقبض على أرواح قاطنيها.

​يا لهول المشهد الذي يندى له جبين الإنسانية! إن الحجارة التي سقطت اليوم كانت تصرخ منذ سنوات، كانت تئن تحت وطأة الرطوبة، والملوحة، والنسيان. كانت تخاطب العابرين بتصدعاتها، لكن آذان الحكام كانت مشغولة بضجيج المغانم واقتسام الحصص. في تلك الحفرة المظلمة التي كانت تُسمى “بيتاً”، دُفنت أحلام أطفال لم يعرفوا من الدنيا سوى سقف متصدع وجدران تقشرت بفعل العوز.

​أقف بمرارة قاتلة أمام هذا الركام الذي تفوح منه رائحة الموت والتراب. أملك الكلمات، وأملك تلك اللغة التي تدمي العين والقلب، لكنني أشعر بالخزي الوجودي لأنني لا أملك “يداً” تزيح هذه الصخرة الجاثمة عن صدر طفل عالق يرمق السماء بنظرة أخيرة، ولا أملك قراراً يرمم سقفاً متهالكاً قبل أن يغدر بأهله. إننا جميعاً، بكلماتنا وصمتنا، شركاء في هذا العجز ما دام فعلنا مقتصراً على صياغة الألم في جمل منمقة.

​وهنا، تبرز مأساة المآسي: “طائفة المطالبين”. ما إن يرتطم الحجر بالأرض وتتصاعد غبرة الموت، حتى تخرج علينا جوقة المسؤولين في استعراض مقزز يثير الغثيان. المسؤول، ذاك الذي يملك في يده مفاتيح الخزائن وأختام القرارات، يقف فوق الأنقاض “ليطالب” بالحل! هل رأيتم عبثية تفوق هذه؟ إنه كالسجان الذي يطالب السجين بالحرية وهو يشد الأصفاد. لقد تحول “المطلب” في هذا البلد من وسيلة للتغيير إلى “مهنة” و “مخدر”. الجميع يطالب الجميع، والنتيجة دائماً هي “صفر مبادرات”.
​لقد وضع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إصبعه على هذا الجرح المتقيح حين قال بوضوح:
​”أهيب بكل العاملين في السياسة في طرابلس أو خارجها أن يترفعوا عن محاولات توظيف هذه الكارثة المروعة لجني مكاسب سياسية رخيصة وآنية، فهذا أمر معيب.”

​في المقابل، ما زال متموّلو المدينة و«زعماؤها» في موقع المتفرّج المتعالي. خطابات، بيانات، زيارات بعد الكارثة، وصور تُلتقط أمام الركام لتلميع الوجوه الشاحبة. أما قبل الانهيار، فصمتٌ مُطبق كصمت القبور. أين ذهبت الأموال؟ من راقب؟ من حذّر؟ من أصلح؟ أسئلة تتكرّر بلا أجوبة، لأن المساءلة نفسها غائبة في دهاليز المحسوبيات.

​إن الزعامة التي لا تحمي ناسها قبل الكارثة ليست زعامة، بل هي عبء على الصدور، والتمويل الذي لا يُصرف على السلامة العامة ليس إنماءً، بل هو تزيينٌ وقح للخراب. عندما يقول الوزير “نطالب بالتحقيق”، فهو يهرب من وزره التنفيذي. وعندما تتباكى البلدية، فهي تواري عجزها خلف ستار العوز. لقد أضاعوا المسؤولية في دهاليز البيروقراطية اللعينة، وفي نهاية هذا المسرح الهزلي، يبقى الفقير في طرابلس هو الوحيد الذي لا يملك ترف “تسجيل النقاط”.

​يا لقسوة هذا المشهد السريالي: تسقط مبانٍ في طرابلس، ولا يسقط مسؤول. تسقط حجارة وأسقف على رؤوس الأطفال، وتبقى الكراسي ثابتة لا تهزها ريح الفضيحة. لا استقالة تُذكر، لا محاسبة تُنفذ، ولا اعتراف بشجاعة بالخطأ. فقط لجان تُولد ميتة، وتقارير تُدفن في الأدراج، ووعود لا تعمّر أطول من عمر الغبار المتصاعد من الردم.

​ تتحوّل الكارثة إلى مجرد رقم إحصائي، والضحايا إلى هامش في جريدة، والمدينة برمتها إلى اختبار فاشل لضمير الدولة. إن عدالة السماء لا ترضى بـ “اللجان”، والبيوت المتهالكة لا ترممها “الخطابات”. المبادرة الحقيقية ليست في تلك اللغة التي تدمي القلوب، بل في “الفأس” التي تسبق الانهيار.

​أيها السادة، إن المقال الذي يكتفي بوصف الوجع هو مرثية أخرى ستذروها الرياح. كفانا “مطالبة” وكفانا “توظيفاً معيباً” لجراحنا. لقد شبعنا كلاماً حتى التخمة، بينما الأرض تحت أقدام الفقراء لا تتوقف عن الابتلاع.
​فإما فعلٌ شجاع ينقذ من تبقى من الأحياء العالقين في طابور الموت، أو صمتٌ هو أشرف لكم بآلاف المرات من دموع التماسيح التي تذرفونها فوق القبور. لقد سقط القناع، كما سقط السقف، ولم يتبقَ إلا الحقيقة العارية: نحن بؤساء هذا العصر، ضحايا الكلمة التي قتلت الفعل، وضحايا المسؤول الذي لا يسقط أبداً.. حتى لو سقط الوطن كله فوق رؤوسنا.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top