رفيق الحريري: تحريك السواكن

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​لا يقاسُ عمرُ الدولِ بالسنين، بل بمقدار ما ضُخَّ في عروقها من “حركية” تكسرُ جمود العدم. إنَّ التاريخ، في جوهره، صراعٌ أزلي بين قوى “السكون” التي تجذب المجتمعات نحو الوراء والتحلل، وبين قوى “النهوض” التي تسعى لخلخلة الثابت وتحريك الراكد. وفي سجلّ لبنان الحديث، يبرز رفيق الحريري لا كزعيم سياسي عابر، بل كـ “قوة حركية” تاريخية، جاءت في لحظةِ سكونٍ وطنيٍّ قاتل لتنفض الغبار عن كينونة الدولة وتعيد صياغة مفهوم الوجود اللبناني.

​حين تضع الحرب أوزارها، لا تترك خلفها ركام الحجارة فحسب، بل تترك “سكوناً نفسياً” مدمراً؛ حالة من الاستسلام للواقع المشوه. كان لبنان في مطلع التسعينيات يعيش هذا الركود؛ عاصمةٌ مقسمة، وشعبٌ استكان لفكرة أن “الخراب هو القاعدة”.
​هنا تجلت عبقرية الشهيد في فهم “فلسفة الحركة”. لم يكن إعمار بيروت بالنسبة له ترفاً هندسياً، بل كان عملية “تحريك للسواكن الجغرافية”. أراد أن يثبت أن الحجر الذي يتحرك ليرتفع، يحرك معه الأمل في النفوس الساكنة. بأسلوبٍ يتسم بالجسارة، رفض الحريري “سكون المشهد” القائم، واقتحم ركود الوسط التجاري، محوّلاً “خطوط التماس” الصامتة والموحشة إلى “ساحات تلاقي” تضج بالحياة. لقد كان يدرك أن الدولة التي لا تتحرك رافعاتها، هي دولةٌ لا مستقبل لها، وأن السكون في زمن الإعمار هو خيانةٌ للغد.

​إنَّ أعمق أنواع السكون هو ذلك الذي يضرب العقل، فيحيله إلى وعاءٍ لثقافةِ “القطيع” أو “الاستزلام”. رفيق الحريري، باستلهامٍ فطري لضرورة “تحريك السواكن الفكرية”، أدرك أن بناء الجسور لا يكفي إذا ظلت العقول ساكنة في ظلام الجهل.
​من هنا كانت ملحمة الـ 35 ألف خريج. لم تكن مجرد منحة تعليمية، بل كانت “ثورةً حركية” استهدفت بنية المجتمع اللبناني الراكدة. من خلال العلم، حرك الحريري السواكن الطبقية؛ فابن الفقير في أقصى الشمال أو الجنوب لم يعد محكوماً بسكونِ قدره الاجتماعي، بل أصبح يمتلك “محركاً” ذاتياً يدفعه نحو العالمية. هذا النوع من “التحريك” هو الذي خلق الطبقة الوسطى المتعلمة التي أصبحت فيما بعد صمام أمان الدولة. لقد حطم الشهيد سكون “الولاءات العمياء” ليزرع مكانها حركية “الكفاءة”، مؤمناً بأن الأمة التي تتحرك بعلمها هي الأمة التي لا تُقهر.

​لقد كانت حياة رفيق الحريري صراعاً مستمراً بين “ديناميكيته” العابرة للحدود وبين “سكونية” النظام الأمني الذي كان يحكم لبنان. النظام الوصائي، بطبعه، يقدس السكون؛ يريد شعباً ساكناً، وسياسةً راكدة، وقراراً معلباً خلف الحدود.
​أما الحريري، فقد كان “كتلةً من الحركة” الدبلوماسية والاقتصادية. كان يتحرك في عواصم القرار ليحرك الملف اللبناني، محاولاً انتزاع الوطن من حالة “الشيء” التابع إلى حالة “الذات” المستقلة. القرار 1559، في جوهره الفلسفي، كان قمة “تحريك السواكن السياسية”. لقد كان بمثابة الهزة التي زلزلت ركود الاستسلام للوصاية. وحين شعر القتلة أن “محرك الحريري” قد تجاوز قدرتهم على السيطرة، وأن مغناطيسيته بدأت تحرك الجماهير نحو مربع السيادة، قرروا اللجوء إلى “السكون الأبدي” عبر الاغتيال.

​في ذلك الصباح المشؤوم عام 2005، ظن الجناة أن 1800 كيلوغرام من المواد المتفجرة ستحيل “الحركة الحريرية” إلى سكونٍ مطلق. اعتقدوا أن الجسد إذا سكن، سكنت معه الفكرة. ولكن، ويا لسخرية القدر، أدى هذا “الانفجار” إلى أعظم عملية “تحريك للسواكن الوطنية” في تاريخ لبنان المعاصر.
​الدماء التي نزفت على طريق السان جورج لم تكن نهاية الحركة، بل كانت بداية “التحرير”. لقد حركت تلك الدماء ملايين الأقدام التي كانت ساكنة لسنوات تحت وطأة الخوف. حركت الصرخة المكبوتة في حناجر اللبنانيين، وحولت الجنازة إلى انتفاضة عارمة أزاحت بجبروتها عروش الوصاية. لقد أثبت رفيق الحريري في استشهاده، كما في حياته، أن “الفكر الحركي” لا يمكن قتله، بل إن الموت في سبيل المبدأ هو الذي يمنحه قوة الدفع الأبدية.

​حتى بعد رحيله، ظل الحريري يحرك المياه الراكدة في القضاء الدولي. إن تأسيس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كان سابقةً في تاريخ العدالة، تهدف إلى تحريك سكون “الإفلات من العقاب” الذي طبع الحياة السياسية اللبنانية لعقود. إن كشف الحقيقة وإدانة المجرمين لم يكن فعلاً انتقامياً، بل كان ضرورة “حركية” لتطهير الذاكرة الوطنية من ركود الظلم، وللتأكيد على أن دماء الأحرار ليست رخيصة، وأن سكون الحق لا يعني ضياعه.

​واحد وعشرون عاماً تمر، ولبنان اليوم يغرق في أسوأ أنواع “السكون”: سكون الانهيار، سكون المؤسسات المشلولة، وسكون اليأس الذي يدفع الشباب نحو الهجرة. إننا نعيش اليوم حالة من “التحجر” السياسي حيث تتعطل لغة الحوار وتتوقف ماكينة الإنتاج.
​في هذه الذكرى، لا يكفي أن نبكي رفيق الحريري، بل علينا أن نستلهم منه “منطق الحركة”. إن الوفاء الحقيقي هو في رفض السكون أمام الفساد، ورفض السكون أمام ضياع الدولة. إن روح الحريري اليوم تهمس في أذن كل لبناني: “لا تستكينوا، لا تسكنوا، فالأوطان تُبنى بالحركة الدائمة وبالإيمان بالقدرة على التغيير”.

​لم يكن رفيق الحريري رجلاً يسكنُ إلى الأوهام أو يقتاتُ على التمنيات، بل كان التجسيد الحيّ للحقيقة التي تقول: “إنّ قيمة الإنسان في ما يفعله، لا في ما يرجوه”. لقد حوّل الأحلام البعيدة إلى حقائق ملموسة تحتشدُ في شوارع العاصمة، وفي عقول آلاف الخريجين، وفي متنِ دستور الدولة. إن مسيرته لم تكن مجرد سيرة ذاتية، بل كانت رحلةً ملحميةً لـ “تحريك السواكن”؛ بدأت بتحريك اليأس نحو الرجاء، وانتهت بانفجارٍ دمويٍّ لم يسكن الجسد فيه إلا ليحرك عجلة التاريخ اللبناني نحو آفاق السيادة والكرامة.
​في ذكرى استشهاده الحادية والعشرين، يظل رفيق الحريري هو “المعلم الأول” في فن المبادرة. لقد علّمنا أن الأوطان الحية لا تموت إلا بالركود، ولا تندثر إلا إذا استسلم أبناؤها لسكون الانتظار. إن السكون، مهما توشّح بعباءة الأمان الزائف، هو في جوهره مقدمةٌ للزوال؛ أما الحركة بناءً، وتعلماً، واعتدالاً فهي الضمانة الوحيدة للبقاء.
​سيظل رفيق الحريري “المحرك الملهم” لكل حلمٍ ببناء دولةٍ عصيةٍ على الكسر، ولكل طموحٍ بعلمٍ يحرر الإنسان، ولكل صرخة حقٍّ في وجه ظلام الوصاية. إنه الشهيد الذي لم يرحل ولن يرحل؛ لأن “الحركة” التي أطلقها لا تزال تدور في أفلاكنا، وتنبض في عروق كل مؤمن بـ “لبنان أولاً”، وهي تدعونا في كل فجر: “تحرّكوا.. ففي الحركةِ المنتجةِ حياةُ لبنان، وفي ثباتكم على نهج البناء خلودُ الوطن”.
​سلامٌ إلى الروح التي كانت إعصاراً من الإعمار وسط ركام الحروب، وحركةً من الحرية في زمن الارتهان، ويقيناً لا يتزعزع بأن لبنان، مهما كبُلت أقدامه، سيبقى يملك القدرة على النهوض والمشي نحو الشمس.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top