زغرتا 2026: قراءة في وجدان القضاء بين إرث البيوتات وصدمة التغيير

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​لا يمكن مقاربة قضاء زغرتا-الزاوية كخريطة انتخابية صماء، بل هو “نص فلسفي” مفتوح على تأويلات التاريخ وصدمات الحداثة. هنا، حيث يمتزج خشوع “كنيسة سيدة زغرتا” بضجيج الأسواق القديمة، وحيث لا تزال أصداء بطولات “يوسف بيك كرم” تسكن الوجدان، يبدو أن القضاء على أعتاب ربيع 2026 يمر بمخاض “المراجعة الكبرى”.
​في زغرتا، يقولون في أمثالهم: “الدم ما بيصير مي”، في إشارة لسطوة العصبية العائلية، لكنهم يرددون أيضاً في أزقة “التل” وساحات “إهدن” العتيقة أن “كل وقت وله دولته ورجاله”. نحن اليوم أمام اشتباك وجودي بين “الزمن الدائري” الذي يكرر الولاءات الموروثة في “المضافات” السياسية، وبين “الزمن الخطي” الذي يندفع من قرى الزاوية من ارده ومرياطة وصولاً إلى سبعل مطالباً بالتغيير الجذري.
​إننا أمام لحظة انفصال حاسمة؛ بين “الشرعية التاريخية” التي استمدت قوتها من حماية الجماعة بأسلوب “القبضاي” والزعيم، وبين “شرعية الإنجاز” التي يطالب بها إنسان زغرتا المعاصر كحق مواطني لا هبة من أحد. فهل تكسر صناديق الاقتراع قاعدة “اللي بياخد أمي بصير عمي” السياسية، أم أن “البيت” الزغرتاوي سيظل الحصن الذي تتكسر عنده أمواج التغيير؟


​أولاً: بورصة الأسماء.. صراع الماكينات والرؤى الاستراتيجية

​طوني فرنجية: مأسسة “البيت” وتحدي الاستمرارية

يمثل النائب طوني فرنجية (تيار المردة) محاولةً جادة لنقل الإرث السياسي من العصبية العائلية العفوية إلى العمل الحزبي المنظم. يرتكز فرنجية على “واقعية وجودية” وماكينة انتخابية هي الأكثر تنظيماً وقدرة على اختراق قرى الزاوية والمدينة. حظوظه تظل في القمة كركيزة أولى للتمثيل، لكن التحدي يكمن في قدرته على الحفاظ على “الحاصل الثاني” للائحته.

​ميشال معوض: نموذج “السيادة الإنمائية” العابر للتقليد

يدمج ميشال معوض (حركة الاستقلال) بين الخطاب السيادي والعمل الإنمائي الميداني عبر مؤسسته التي تحولت إلى “شبكة أمان” حقيقية في غياب الدولة. يراهن معوض على قاعدة صلبة تؤمن بأن الكرامة تبدأ من تأمين الصمود الفردي والمؤسساتي بعيداً عن منطق المحسوبيات الضيق، مقدماً نفسه كبديل يجمع بين “الرمزية التاريخية” والحداثة الإدارية.

​زياد المكاري: دبلوماسية الأداء والعبور نحو الآخر

يمثل الوزير زياد المكاري الجناح الرصين والدبلوماسي في تيار المردة، حيث استطاع بناء “شرعية أداء” تحظى باحترام الخصوم والحلفاء على حد سواء. يجسد المكاري حالة “الأنسنة السياسية” والكفاءة التقنية، وهو ما يجعله قيمة مضافة كبيرة للائحته. حظوظه مرتفعة جداً نظراً لصورته كمسؤول متزن ووجه “غير صدامي”، مما يسهل عليه اختراق الفئات المترددة التي تبحث عن الاستقرار والاحترافية.

​جواد بولس: الرصانة القانونية ومنطق “الدولة-الحق”

يعد جواد بولس ركيزة أساسية في معسكر المعارضة، مقدماً خطاباً قانونياً رصيناً يفتقده الصخب الغوغائي السائد. يمثل بولس الطبقة الوسطى المثقفة التي تؤمن بأن الحل يبدأ من استعادة هيبة القضاء وتطبيق الدستور بحذافيره. حظوظه في 2026 تعتمد على مدى تماسك التحالف السيادي وقدرته على إقناع الناخب بأن المواجهة ليست “عائلية” بل هي معركة مبادئ وطنية تتطلب مشرعين دستوريين.

​طلال الدويهي: حارس “الأرض” وجدلية الوجود

يبرز رئيس حركة الأرض اللبنانية كقوة رمزية تتجاوز المنافسة الانتخابية العادية لتلامس حدود “القضية الوجودية”. يمثل الدويهي الوعي السيادي الذي يربط بين كرامة الإنسان وثباته في أرضه، محولاً حراكه إلى خط دفاع عن التوازن الديموغرافي. حظوظه تنبع من كونه “ضميراً يقظاً” يخاطب في الزغرتاويين غريزة البقاء والتمسك بالجذور، مما يجعله رقماً صعباً يجمع بين العصب العائلي والامتداد الوطني.

​ميشال دويهي: جدلية “الأكاديمي” في مواجهة “السيستم”

يمثل النائب ميشال دويهي حالة خروج عن “النمط” التقليدي، محاولاً نقل الصراع السياسي من منطق الوجاهة العائلية إلى رحاب “الاشتباك الفكري” والتشريعي. ينطلق دويهي من خلفية أكاديمية صلبة، مراهناً على وعي ناخب يرفض أن يكون مجرد “رقم” في معادلة الزبائنية، بل شريكاً في صناعة السياسات العامة. حظوظه ترتبط بقدرته على إعادة إنتاج “لحظة التغيير” التي حملته إلى البرلمان، وتحدي محاولات المحاصرة التقليدية.

​رينيه مناسا: الاستراتيجية السيادية في قلب “القوات”

يمثل المستشار رينيه مناسا (Rene Manassa) نقلة نوعية في حضور “القوات اللبنانية” في القضاء، منتقلاً بالخطاب من المنافسة المحلية إلى آفاق القراءة الاستراتيجية والسيادية الصافية. يجسد مناسا نموذج المثقف الذي يمتلك رؤية جيوسياسية واضحة، وهو يسعى لاستقطاب الكتلة الناخبة التي ترفض “الزبائنية” وتطالب بدولة القانون. حظوظه مرتبطة بقدرة “القوات” على تسييل حضورها المنظم وتحويله إلى حاصل انتخابي يكسر احتكار البيوتات.

​أنطوان اسطفان الدويهي: حارس التوازن والاعتدال العائلي

يبرز أنطوان اسطفان الدويهي كضرورة سوسيولوجية لترميم “البيت الدويهي” وإعادة صياغة حضوره كقطب ثالث يمنع الانكسار في ميزان القوى المحلي. يمثل الدويهي حالة من “الاعتدال الوجودي” والوسطية التي ترفض الاصطفاف الحاد. حظوظه في تصاعد ملحوظ، خاصة وأنه يلعب دور “بيضة القبان” القادر على حشد العصب العائلي وتقديمه كبديل متزن يحمي الموزاييك الاجتماعي لزغرتا والزاوية من صراعات المحاور.

​عبد الله بو عبد الله: نضال “التيار” وتحدي البيئة التقليدية

يسعى عبد الله بو عبد الله (التيار الوطني الحر) لتثبيت حضور التيار في بيئة زغرتاوية شديدة التمسك بالتقاليد العائلية المتوارثة. يمثل بو عبد الله حالة “النضال الحزبي” الصرف، مراهنةً أساسية على قواعد التيار التي ترفض الانصهار الكامل في عباءة البيوتات التقليدية. حظوظه ترتبط بمدى نجاح “الوطني الحر” في صياغة تحالفات ذكية تضمن له “الحاصل”، وبقدرته على تقديم خطاب يحاكي هواجس القرى بعيداً عن شعارات المركز.

​وجيه نعمه: صوت “الزاوية” في وجه التهميش الإنمائي

يبرز وجيه نعمه كصرخة مدوية من قلب قرى الزاوية التي ترفض البقاء كمجرد “خزان أصوات” للمدينة عند كل استحقاق. يمثل نعمه الوعي المناطقي المتنامي الذي يطالب بتمثيل إنمائي حقيقي يعيد الاعتبار للقرى المهملة ويؤمن حقوقها في الخدمات الأساسية. حظوظه تكمن في قدرته على حشد “عصب الزاوية” وتوجيهه نحو خيار يضع الإنماء فوق الولاءات السياسية، مما يجعله رقماً صعباً في معادلة الحواصل الانتخابية للدائرة.

​ثانياً: الأنطولوجيا الأنثوية.. المرأة الزغرتاوية من “الحصن” إلى الريادة

​في زغرتا، لم تكن المرأة يوماً على هامش التاريخ، بل كانت هي “الحصن” السري الذي يحمي الهوية. واليوم، يتجاوز دورها “حراسة الذاكرة” ليصبح “صياغة القرار”. إن خروج المرأة الزغرتاوية إلى الندوة النيابية ليس استعطاءً لمقعد، بل هو استرداد لمكانتها الطبيعية كمحركة للوعي الجمعي، حيث تبرز الوجوه النسائية اليوم ككتلة فكرية ونضالية قادرة على أنسنة السياسة:

​شادن الضعيف: صرخة الأرقام وتحدي المقعد المسلوب

تجسد شادن الضعيف، ابنة مدينة زغرتا، الحالة التغييرية الأكثر نضجاً في الوجدان الشعبي. هي التي حبست أنفاس الماكينات التقليدية في 2022، تعود اليوم كرمز للمقعد الذي “استحقه الوعي وحجبه القانون”. شادن تمثل النبض النقابي والأكاديمي الصلب، واستطاعت أن تجذب أصواتاً عابرة للعائلات أربكت الحسابات بشكل غير مسبوق، مما يجعلها المنافس التغييري الأبرز.

​جيستال سمعان: عبق “الكتلة الوطنية” وبرنامج الأفعال

تبرز جيستال سمعان كوجه يدمج بين الاحتراف المهني الدولي والعراقة الحزبية لـ “حزب الكتلة الوطنية”. جيستال لا تمثل شخصها، بل تمثل عودة الفكر السيادي الذي يرفض الإقطاع وينادي بتحصين الفقراء عبر مشاريع تنموية ملموسة. تمثل الوعي المدني الذي يرفض لغة المحاور، وتكمن حظوظها في جذب النخبة والمغتربين الذين يبحثون عن لبنان المؤسسات بعيداً عن منطق “الخدمة مقابل الصوت”.

​ريتا سليم كرم: كاريزما المواجهة في زمن الانقسام

تخوض ريتا كرم معركة إثبات وجود استثنائية لاستعادة “المكانة الكرمية” التاريخية، لكنها تصطدم بواقع انقسام عائلي حاد قد يؤدي إلى تشتت الكتلة الناخبة للعائلة. ومع ذلك، تراهن ريتا على كاريزماتها الشخصية وقدرتها على تحويل هذا التحدي إلى “فعل تمرد” إيجابي يجذب النساء والناقمين على التهميش، لتقديم مشروع موحد يعيد للعائلة دورها الريادي.

​كارول دحدح: “دينامو” الخدمة المحلية والواقعية الميدانية

تبرز كارول دحدح كابنة أصيلة للمجتمع المدني والعمل النقابي، مؤمنةً بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الخدمة المحلية الصادقة بعيداً عن الصراعات السياسية الكبرى. حظوظها تكمن في صورتها كوجه مقبول من مختلف الأطياف؛ فهي تمثل “النزاهة قبل السياسة”. تراهن كارول على الناخب الذي ملَّ من الوعود ويبحث عن “يدٍ تزرع وتعمّر”، لترسخ نموذجاً جديداً من التمثيل.

​ثالثاً: “المقصلة الرقمية” وفجوة الأجيال

​تجري رحى معركة من نوع آخر في الفضاء السيبراني، حيث يبرز “جيل Z”؛ مواليد 1990 وما فوق هؤلاء هم “المواطنون الرقميون” الذين لا يستقون وعيهم من المضافات السياسية. إنهم جيل “ما بعد الأيديولوجيا”، براغماتيون بامتياز، لا تُقنعهم الخطابات التاريخية بقدر ما يعنيهم تأمين الكرامة والوظيفة والإنترنت السريع. المقاربة الواقعية تكشف عن “فجوة إدراكية” هائلة؛ فهذا الجيل يمثل “المتغير غير المنضبط” الذي قد يقلب الطاولة ليلة الاقتراع.

​مَن سيرجح كفة “ميزان التحول”؟

​التحول في زغرتا يحدث ببطء “الجيولوجيا” لا بسرعة “الترند”. إذا أجريت الانتخابات اليوم:
​طوني فرنجية وميشال معوض: مقاعد مؤكدة كأقطاب للقضاء.
​المقعد الثالث: سيبقى معلقاً في معركة طاحنة بين ميشال دويهي، وخرق القوات (رينيه مناسا)، أو عودة العصب العائلي (آل الدويهي)، مع أرجحية كبيرة للوزير زياد المكاري في حال حقق المردة حاصلين.

في نهاية المطاف، لن تكون انتخابات 2026 في زغرتا-الزاوية مجرد عملية إحصائية لتوزيع المقاعد، بل ستكون “استفتاءً على الهوية”. فالمعركة الحقيقية ليست بين أسماء وعائلات، بل بين ذاكرة تأبى الأفول وحداثة ترفض الانتظار. إن زغرتا، التي لطالما كانت “بيضة القبان” في تاريخ لبنان، تجد نفسها اليوم أمام مرآة ذاتها: هل يظل “البيت” هو السقف الوحيد للمواطن، أم أن سقف “الدولة” قد بدأ يعلو فوق الجميع؟ الأكيد أن ليل القضاء الطويل في انتظار ربيع 2026 سيحمل الكثير من المفاجآت، ففي تلك الأرض التي نبتت فيها القداسة والسياسة معاً، يظل للناس الكلمة الأخيرة؛ فهم وحدهم من يقررون ما إذا كان التاريخ سيكرر نفسه، أم أن “نص زغرتا الفلسفي” سيكتب فصلاً جديداً لم يشهده من قبل.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top