
تشكّل زيارة وفد صندوق النقد الدولي إلى بيروت محطة رئيسية في مسار إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني، نظرًا إلى ارتباطها المباشر بأحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019، وهو ملف الفجوة المالية وتوزيع الخسائر واسترداد الودائع.
وتأتي هذه الزيارة في سياق اختبار جدية الدولة اللبنانية في استكمال البنية التشريعية المطلوبة لإعادة الانتظام المالي، بما يمهّد للتوصل إلى اتفاق رسمي مع الصندوق، والذي يشكّل المدخل الأساسي لاستعادة الثقة الدولية وتأمين مصادر تمويل خارجية ضرورية لإعادة إطلاق الاقتصاد.
وقال مصدر وزاري لجريدة الأنباء الكويتية إنّ الفجوة المالية في لبنان تمثل نتيجة تراكمية لاختلالات بنيوية في نموذج الاقتصاد السياسي المعتمد منذ أوائل التسعينيات، القائم على اجتذاب التدفقات المالية الخارجية لتمويل عجز مزدوج في المالية العامة وميزان المدفوعات. ومع توقف هذه التدفقات، انكشف العجز الفعلي في ميزانيات مصرف لبنان والمصارف التجارية، ما أدى إلى انهيار القدرة على الوفاء بالالتزامات تجاه المودعين، ما فرض الحاجة إلى معالجة قانونية شاملة تحدد حجم الخسائر وتضع الأسس الواقعية لتوزيعها.
وأضاف المصدر أن المناقشات التي أجراها وفد الصندوق تركزت على مشروع قانون معالجة أوضاع المصارف واسترداد الودائع، إضافة إلى مشروع قانون الانتظام المالي، باعتبارهما الإطار التشريعي الذي يحدد المسؤوليات المالية بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية. ويشكل هذا المسار نقطة ارتكاز لأي اتفاق محتمل مع الصندوق، بعد أن أدى غياب رؤية قانونية متكاملة إلى تعثر الاتفاق الأولي عام 2022.
وأشار المصدر إلى أنّ مناقشة مشروع قانون الفجوة المالية في اللجان النيابية خطوة أساسية لتحويل الالتزامات الإصلاحية إلى نصوص قانونية ملزمة، مشددًا على أنّ التحدي لا يقتصر على إقرار القانون بحد ذاته، بل يرتبط بمدى توافقه مع المعايير الدولية، خصوصًا فيما يتعلق بآلية تحديد الخسائر وتسلسل توزيعها، بما يضمن حماية صغار المودعين وإعادة تكوين رساميل المصارف على أسس مستدامة.
وأوضح المصدر أن ملاحظات صندوق النقد تركز على اعتماد مقاربة شفافة وعلمية في معالجة الخسائر، بما يسمح بإعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة دوره الطبيعي في تمويل الاقتصاد. كما شدّد على أن معالجة الأزمة المصرفية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإصلاح المالية العامة، نظرًا للتعرض الكبير للدين السيادي، ما يفرض اعتماد خطة متكاملة تعيد التوازن إلى النظام المالي ككل.
وأضاف أن زيارة وفد الصندوق تأتي أيضًا في إطار متابعة الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها السلطات اللبنانية، منها إقرار الموازنة العامة، التي تشكّل جزءًا من متطلبات إعادة الانتظام المالي، لكنها تبقى غير كافية من دون استكمال الإصلاحات التشريعية المرتبطة بإعادة هيكلة المصارف والقطاع المالي.
وشدد المصدر على أنّ الاتفاق مع صندوق النقد يشكّل المدخل الأساسي لإعادة بناء الثقة الدولية بلبنان، من خلال توفير إطار إصلاحي متكامل يفتح الباب أمام تدفقات مالية خارجية واستثمارات جديدة، ويساهم في إعادة دمج لبنان في النظام المالي العالمي. وفي المقابل، فإن استمرار التعثر في إقرار التشريعات المطلوبة سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق الانكماش الاقتصادي وتأخير استعادة الثقة بالقطاع المصرفي.
وخلص المصدر إلى أنّ المرحلة الحالية تشكّل اختبارًا حاسمًا لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها، مؤكدًا أنّ إقرار قانون الفجوة المالية بصيغة متوافقة مع المعايير الدولية سيشكل نقطة تحول أساسية في مسار المفاوضات مع صندوق النقد، ويمهّد الطريق أمام إطلاق عملية إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي بما يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار المالي والتعافي الاقتصادي.
المصدر: جريدة الأنباء الكويتية
