
بقلم جوزاف وهبه
في الذكرى 21 لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري (وللتذكير، على أيدي عناصر من حزب الله، بقرار سوري – إيراني مشترك) لم يغادر الرئيس سعد الحريري المنطقة “الوسط” التي طالما تمركز فيها منذ غيابه عن العمل السياسي المباشر في لبنان. فهو ليس فقط يعود إلى “بيت الوسط”، ويقرأ الفاتحة عن روح الشهيد والده على الضريح في “وسط بيروت”، بل يتابع الإمساك بالمواقف “الوسط” بعناية فائقة، ولم يخرج خطابه الأخير عن هذا السياق، أمام آلاف المؤيّدين والمحتشدين في الساحات، بالرغم من بعض التلميحات حمّالة الأوجه، وبالرغم من تعطّش هذا الجمهور إلى الإجابات الواضحة الصريحة:هل هناك عودة نهائيّة إلى لبنان..أو لا عودة؟ هل هناك مشاركة مباشرة في الإنتخابات..أو لا مشاركة؟
في الصراع الخليجي المتصاعد ما بين المملكة العربيّة السعوديّة ودولة الإمارات العربيّة، نأى الرئيس الحريري بنفسه عن الإصطفاف، مختاراً التمركز في “الوسط” ومشيراً إلى هوامش الصراع وليس إلى الفريقين المتصارعين، وذلك بقوله “ومَن يخيط بمسلّة الخلافات العربيّة والخليجيّة رح تطلع سلتو فاضية، وسيحرق يديه ورصيده”:وإذا كان هذا الموقف الحيادي يُرضي، دون شكّ، دولة الإمارات، فهل يلقى الترحاب نفسه في المملكة السعوديّة؟
في الإستحقاق الإنتخابي القادم، لم يخرج خطابه عن غموض 2022 حين قال “كل شي بوقتو حلو”.وأعاد الجواب (نعم أو لا للمشاركة) إلى التشكيك بحصول الإستحقاق الإنتخابي في موعده (أيار 2026) وذلك بقوله “قولولي أيمتى الإنتخابات لقلكن شو بدّو يعمل المستقبل بس بوعدكن أنّو أيمتى ما صارت الإنتخابات رح يسمعوا اصواتنا ورح يعدّوها”..وفي ذلك إستعادة لسيناريو 2022 لأنّ جميع اللبنانيّين يعرفون أنّ للجمهور الأزرق أصواتاً عالية، وأنّ له في صناديق الإقتراع أوزاناً مؤثّرة، ويعرفون أنّه كان لهذه الأصوات الأثر الحاسم في وصول عدد كبير من النوّاب في المنية والضنّية وعكّار..ويبقى السؤال:هل يحمل كلامه تكراراً لتجربة 2022، أم ستكون للتيّار الأزرق لوائح واضحة المعالم في مرجعيّتها السياسيّة وشعاراتها، ما يتيح الفرصة لتشكيل “كتلة المستقبل النيابيّة” من جديد؟
وفي خضمّ الخطاب، تطرّق الرئيس الحريري – كما في كلّ سنة – إلى “أصحاب الخناجر” (وهنا يقودنا الظنّ إلى القوّات اللبنانيّة، وإلى بعض المستقبليّين القدامى الذين خرجوا من التيّار..)، وفي المقابل ينفي أيّ لقاءات سياسيّة أو إنتخابيّة مع حزب الله، مكتفياً بالتحيّة إلى أهل الجنوب الصامدين:فماذا يعني ذلك على أرض الواقع الإنتخابي، وهل تُتاح له حرّية التحالفات ما يجعله يثأر ممّن غدروا به، كما يحلو لمناصريه تفسير اضطراره للخروج من المشهد السياسي في لبنان؟ لا جواب في ثنايا الخطاب، ولا في الدردشة مع الصحافيين، حيث جاء على لسانه “سأثبت لهم مَن هو تيّار المستقبل على الأرض..”، والسؤال مَن المقصود ب “هم”، ومع مع مَن تدور رُحى معركته السياسيّة – الإنتخابيّة؟ أو بشكل أدقّ، مَن هم هؤلاء “الأعداء – الخناجر”؟
نجح سعد الحريري في إثبات الوفاء له وللرئيس الشهيد رفيق الحريري ولتيّار المستقبل بالرغم من مرور 21 سنة على الإغتيال، كما نجح في العبور إلى معظم لبنان من خلال اللقاء الحاشد في وسط بيروت، ولكنّه لم يقدّم “الجرعة الكافية” لريّ عطش المتشوّقين للإستماع إلى انقشاع “الغيوم المتلبّدة” ما بينه وبين المملكة السعوديّة، كما لم يُجب على الأسئلة الأخرى الصعبة:هل يعود إلى العمل السياسي؟ هل يخوض تيّار المستقبل غمار الإنتخابات بخلاف الطريقة السابقة..إضافة إلى حقيقة دور وأسماء “الخناجر” الذين يتكرّر ذكرهم في كلّ محطّة وخطاب..وفي كلّ ركن من أركان بيت الوسط!
