نبض بيروت تحت المطر: الحريرية من “استراحة المحارب” إلى “قدر المستقبل”

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​لم يكن المطر الذي انهمر فوق ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري في وسط بيروت مجرد زخات شتاء عابرة، بل كان أشبه بوضوء سياسي لساحة لم تفقد بوصلتها يوماً. هناك، وحيث تلتقي مآذن المساجد بأجراس الكنائس، احتشدت الآلاف في الذكرى الحادية والعشرين للاغتيال، لا لتبكي ماضياً مضى، بل لتستنهض مستقبلاً يبدو أنه لا يجد ممرًا إلزاميًا إلا عبر تلك الدار التي عمرت قلوب اللبنانيين بالأمل، قبل أن تعمر ساحات وطنهم بالبناء. وكأن لسان حال الناس اليوم يقول بصوتٍ واحد: “اشتقنا للرواق وللدولة التي تشبهنا”.

​بين الحشود التي افترشت الساحات، وقف سعد الحريري، لا بصفته رئيساً سابقاً للحكومة أو زعيماً لتيار سياسي فحسب، بل بصفته “نبض الاعتدال” في بلد تكاد تطحنه رحى التطرف والمزايدات. وبكلمات اتسمت بالصدق العاري من أقنعة الدبلوماسية، خاطب “ناسه” قائلاً: “لستم قلة”. كانت هذه العبارة بمثابة صرخة مدوية في وجه كل من راهن على “يتم” الشارع السني أو “تشتت” الهوى الحريري. وهنا يُطرح السؤال الحارق: هل ظنّ “تجار السياسة” فعلاً أن غياباً قسرياً يمكن أن يمحو إرثاً كُتب بالدم والإعمار؟ ألم يدركوا بعد أن “الحريرية الوطنية” ليست شركة تُصفى بقرار، بل هي هوية سياسية عابرة للمناطق، صامدة في وجه “سوق الجنون” الذي حاول البعض بيع البلد فيه بأبخس الأثمان؟

​لقد رسم الحريري في خطابه ملامح مرحلة جديدة من “الواقعية الشجاعة”. فهو حين تحدث عن “استراحة المحارب”، لم يكن يبرر غياباً، بل كان يشرّح واقعاً مأزوماً رفض أن يكون شاهد زور عليه. إن الشجاعة التي أبداها في قرار “الاعتزال المؤقت” هي ذاتها التي دفعته للقول بوضوح إن السياسة في مدرسة رفيق الحريري ليست مناصب ولا “وجاهة كذابة”، بل هي كرامة بلد وسيادة كاملة على الـ 10452 كلم². هذا النفس السيادي لم يأتِ من باب الشعارات الجوفاء، بل جاء مقترناً بتمسك حازم باتفاق الطائف، لا كما يشتهيه البعض “على القطعة” أو اجتزاءً، بل كما هو في جوهره: سلاح واحد، دستور واحد، ودولة ترعى الجميع من دون تمييز.

​ولأن “الحريرية” في أصل تكوينها هي مشروع “بناء وبشر”، لم يغب الهمّ المعيشي عن جوهر هذا الحراك؛ فالكلام عن السيادة يظلّ ناقصاً ما لم يقترن بسيادة نقدية واقتصادية تعيد للبنانيين أمانهم المفقود. لقد أعاد الحريري التذكير، وإن بـ “الغموض البنّاء”، بأن التعافي ليس مجرد أرقام تُناقش في أروقة المصارف، بل هو قرار سياسي أولاً. إن رؤية “المستقبل” اليوم تتجاوز منطق “الجباية” لترتقي إلى منطق “الاستثمار في الاستقرار”؛ فلا قيامة لليرة المنهكة دون استعادة الثقة الدولية، ولا ثقة تُبنى فوق رمال سياسية متحركة. إنها العودة إلى “ثوابت الإعمار” ولكن بنسخة تُحاكي تحديات العصر، حيث تصبح الدولة هي الضامن، والقطاع الخاص هو المحرك، والكرامة الاجتماعية هي الهدف، بعيداً عن اقتصاد “الشنطة” والمضاربات التي أكلت الأخضر واليابس.

​ولعل “الانعطافة الاستراتيجية” التي توقف عندها المراقبون بكثير من التأمل، هي تلك التحية الصادقة التي وجهها لـ “سوريا الجديدة” وقيادتها الممثلة بالرئيس أحمد الشرع. في هذا الموقف، يتجلى “الحريري الابن” كباني جسور على خطى أبيه، يدرك بعقل المحلل وقلب الوطني أن قدر لبنان مرتبط بمحيطه العربي، وأن الاستقرار الحقيقي يبدأ بإنهاء حقبة “التشبيح” والعبور نحو مرحلة “لم الشمل” والتوافق. هذه الرؤية العابرة للحدود هي التي تعيد للحريرية دورها كبوصلة للعروبة المتنورة، التي ترفض الجدران وتؤمن بجسور التعاون والازدهار المشترك.

​أما طرابلس، تلك المدينة التي تئن تحت وطأة النسيان، فقد كان لها في قلب الحريري غصة وحيز واسع. ففي كلامه عن “انهيار كرامات المسؤولين” في أزقتها، لم يكن يجلد الذات فحسب، بل كان يضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية. طرابلس، في عرف الحريري، ليست مجرد خزان انتخابي يُفتح عند الطلب، بل هي قلب الشمال النابض الذي يستحق دولة تحترم إنسانية أبنائه وتستثمر في طاقاتهم، لتكون المدينة كما أرادها رفيق الحريري: لؤلؤة على المتوسط، لا ساحة لتصفية الحسابات.

​وعندما وصل الحريري إلى “بيت القصيد” في ملف الانتخابات النيابية، مارس أسلوباً من “الغموض الجاذب” الذي أدخل الخصوم في حيرة والحلفاء في ترقب. فبقوله: “قولوا لي متى الانتخابات لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل”، لم يكن يتهرب من الاستحقاق، بل كان يضع الكرة في ملعب المنظومة الدولية والمحلية. هو لا يريد عودة لتكملة عدد، بل عودة لتغيير واقع “مهتري”. هو يعد “ناسه” بأن أصواتهم ستُسمع وستُعد، وبأن موعد “اللقاء الحاسم” أقرب مما يظنه الواهمون بإلغائه.
​إن القاعدة الشعبية التي زحفت إلى وسط بيروت تحت المطر، أثبتت أن “الحريرية” هي صمام الأمان لهذا البلد. هي المدرسة التي ترفض الفتنة، وتنبذ الطائفية، وتتمسك بالدولة كخيار وحيد وأخير. لقد شعر اللبنانيون في هذا اليوم أن “محسوبهم سعد” لم يتركهم، بل كان يراقب بصبر المؤمن، ليحمي “الاعتدال” من الانكسار و”الكرامة” من الاندثار.

​ختاماً، يمكن القول إن خطاب الذكرى الحادية والعشرين هو “مانيفستو” العبور نحو المستقبل. لقد خرج سعد الحريري من عباءة “الغياب” ليدخل في صلب “الفعل”. هو اليوم لا يطلب كرسياً، بل يطلب بلداً يليق بأحلام رفيق الحريري. لقد أثبت أن “تاريخنا له مستقبل”، وأن الساحة التي احتضنت الشهيد، لا تزال تنبض بالوفاء للابن، في انتظار تلك اللحظة التي يشرق فيها “نور نهاية النفق”، ليعود لبنان وطن “الآوادم”، سيداً، عربياً، ومستقلاً، بقيادة نهجٍ أثبتت الأيام أنه “الرقم الصعب” الذي لا يمحوه غياب، ولا يكسره اغتيال.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top