رانيا.. عطر الأرض الكنعانية وفلسفة الانتماء عن الحب حين يصير أرضاً وهوية

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​في الرابع عشر من شباط، حيث يغرق العالم في طقوس “عيد الحب” العابرة، وتزدحم الأرصفة بزهورٍ تجارية توشك أن تذبل مع أول غياب للشمس، أجدني مدفوعاً بضرورةٍ وجودية لا تقبل التأجيل؛ ضرورة أن أنطق بتلك الحقيقة التي تزدحم بها الصدور وتضيق عنها الكلمات العادية. إن الاحتفاء بكِ يا رانيا لا يستقيم في يوم واحد، لأنكِ لستِ عاطفة طارئة، بل أنتِ تجسيد لمعنى الاستمرارية والارتباط بالجذور.
​الحقيقة يا حبيبتي، أن وجودكِ في حياتي ليس نقشاً على سطح الذاكرة يسهل محوه، بل هو انصهارٌ أبديّ في أعماق الروح والوجدان. أنتِ التي استقررتِ في كياني كالعطر الكنعاني العتيق؛ تتجذرين في تفاصيلي، وتنسجمين مع نبضي اليومي وأحلامي المقدسة، حتى صرتِ أنتِ الهوية التي أتعرف بها على نفسي، والكيان الذي يمنحني الانتماء، والأرض التي لا أضلّ عنها ولا أستبدلها بكنوز الدنيا.
​أنتِ لستِ مجرد شريكة درب، بل أنتِ “الأساس الجيولوجي” الصلب الذي يقوم عليه بنيان حياتي. أنتِ “نانا” التي تفيض رقةً وتصوغ بصبرها ملامح مستقبل أولادنا؛ تلك الروح التي ليست مجرد حضورٍ عابر، بل هي هالة من الطهر تجعل من بيتنا ملاذاً آمناً. وبعيداً عن فلسفة الكلمات، أجد انتمائي الحقيقي في تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يراها العالم؛ في فنجان القهوة الذي يحمل نكهة روحكِ، في نبرة صوتكِ حين تنادين اسمي فتمنحينه معنىً جديداً، وفي ضحكتكِ العفوية التي تجعل من حياتي واقعاً قابلاً للعيش.
​أذكر يا رانيا، بقلبٍ يملؤه الامتنان، تلك اللحظات التي انطفأت فيها شعلتي، لا سيما أثناء الضائقة المالية القاسية التي مر بها لبنان وألقت بظلالها الثقيلة علينا؛ فكنتِ أنتِ الزيت الذي أبقى السراج موقداً. لم تكن كلماتكِ هي ما أنقذني فحسب، بل كان إيمانكِ بي في الوقت الذي فقدتُ فيه إيماني بنفسي. هذه الثقة التي منحتِني إياها وسط انكسار الظروف هي الدَّين الذي أحمله في قلبي بكل فخر، وهي التي أثبتت أنكِ “الوطن” الذي لا ينهار حين تنهار الاقتصادات والسياسات.
​في عالمٍ قاسٍ يفرض على الرجال ارتداء أقنعة القوة الصخرية والصلابة الجوفاء، جئتِ أنتِ لتكوني المساحة الوحيدة التي أجرؤ فيها على التخلي عن سلاحي ودروعي. معكِ فقط، خلعتُ قناع “الرجل الذي لا يُقهر”، وألقيتُ بكل أثقالي النفسية عند كتفيكِ الصابرتين، وقلت بصدقٍ يندر في زمن الزيف الاجتماعي: “أنا متعب.. والمسافات قد أرهقتني”. كان حضنكِ هو “الوطن” الذي لا تحده جغرافيا، والملجأ الأوحد من صخب الدنيا وضجيجها.
​ختاماً، تظل الكلمات قاصرة عن إدراك قدسية ما يربطنا. أنتِ الحلم الذي تجسد واقعاً ليمنح حياتي طعماً يشبه الشهد بعد مرارة الخيبات. أعدكِ باسم الحب الذي يجمعنا تحت سقفٍ واحد وأمام مستقبل أولادنا، أن أظل السند الذي لا يلين، والحضن الذي يضمكِ كلما ضاقت بكِ السبل. سأظل أبحث عنكِ في ملامح الفجر الندي، وفي سكون الليل العميق، لأهمس لروحكِ التي تسكنني: “أحبكِ فوق الحب حباً، وأنتِ لي الأرض والوطن واليقين”.
​شكراً للقدر، وللحظة التي تقاطعت فيها طرقنا، وشكراً للحياة التي جعلتني أحيا في زمنٍ تشرق فيه شمس وجودكِ لتنير عتمة أيامي.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top