
يشكّل القرار الحكومي القاضي بإقرار زيادات مناسبة للعاملين في القطاع العام، مدنيين وعسكريين، عاملين ومتقاعدين، خطوة متقدمة على طريق تصحيح الأجور بعد سنوات طويلة من تآكل القدرة الشرائية. وهو قرار يحمل بُعداً اجتماعياً ملحّاً، إذ يطال مئات آلاف العائلات التي دفعت أثمان الانهيار المالي من استقرارها المعيشي.
لكنّ العدالة الاجتماعية لا تتحقق بزيادة الرواتب وحدها، بل تتطلّب رؤية مالية شاملة تعيد توزيع الأعباء بصورة أكثر إنصافاً.
فالواقع الاقتصادي يفرض مقاربة واضحة: من استفاد أكثر، يجب أن يساهم أكثر. ومن هنا تبرز أهمية النظام الضريبي التصاعدي ضمن حدود مدروسة تراعي تشجيع الاستثمار من جهة، وتضمن مساهمة عادلة من أصحاب الدخول المرتفعة والثروات الكبيرة من جهة أخرى. فالضريبة التصاعدية ليست عقاباً، بل وسيلة لتحقيق التوازن الاجتماعي وتقليص الفجوة بين الطبقات، شرط أن تُطبَّق بشفافية وعدالة من دون استنسابية.
وفي موازاة ذلك، يبقى ملف الأملاك البحرية مثالاً صارخاً على عدم التكافؤ بين المنفعة الخاصة والحق العام. فإعادة النظر في تعرفة الإشغال وتحصيل المستحقات المتراكمة، وفق معايير عادلة وواضحة، يمكن أن توفّر إيرادات مهمة للخزينة، وتكرّس مبدأ أن الملك العام مسؤولية وليس امتيازاً.
أما بالنسبة إلى الضرائب غير المباشرة، مثل ضريبة البنزين الجديدة وزيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1%، فهي تطال مختلف الفئات الاجتماعية لكنها تثقل كاهل ذوي الدخل المحدود أكثر من غيرهم. إذ تؤدي إلى ارتفاع أسعار النقل والسلع والخدمات، ما يلتهم جزءاً من الزيادات في الأجور. لذا، لا بد من موازنة هذه الضرائب بإجراءات أكثر عدالة تستهدف الأرباح العالية والاستهلاك الكمالي، حفاظاً على القدرة الشرائية للفئات الأضعف.
المعادلة المطلوبة اليوم واضحة: تصحيح الأجور يجب أن يترافق مع تصحيح في هيكل الإيرادات. فالدولة التي تسعى إلى حماية ذوي الدخل المحدود مطالبة في المقابل بإعادة توزيع العبء الضريبي بما ينسجم مع مبدأ القدرة على الدفع. وحدها هذه المقاربة تحوّل الزيادات من إجراء ظرفي إلى خطوة مستدامة نحو العدالة الاجتماعية.
المصدر: صلاح سلام – اللواء
