موازنة “الضحك على اللحى”: عطونا زيادة “بالقطّارة”.. وأخدوا حقها بنزين وTVA “بالفوارة”!

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​من يراقب دهاليز السياسة المالية في لبنان اليوم، لا يسعه إلا أن يستحضر تلك الصورة التي رسمها الراحل الكبير سلام الراسي في “حكايا القناطر” عن ذلك المختار الذي أراد إطعام ضيوفه من “كيسهم” ثم طالبهم بالشكر والامتنان على “كرم ضيافته”. هكذا تبدو الحكومة اللبنانية وهي تقرّ زيادة الستة رواتب للقطاع العام؛ فهي تمنح الموظف “حفنة من الليرات” بيد، وتنتزع من جيبه وجيب جاره “قنطاراً من الالتزامات” باليد الأخرى، في مشهدٍ يفتقر إلى أبسط قواعد الشفافية الاقتصادية التي يُفترض أن ترتكز عليها موازنة عام 2026. إن ما قاله رئيس الحكومة نواف سلام من طرابلس عن أن زيادة الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بنسبة 1% “لن تطال ذوي الدخل المحدود”، هو قولٌ يحتاج إلى الكثير من التدبر، ففي بلدٍ مثل لبنان، الضريبة على الاستهلاك هي نارٌ لا تميز بين “فيلا” مذهّبة و”غرفة” في زواريب الفقر، وكما كان يقول أبو علي الراسي: “الضريبة مثل المطر، بتنزل على الكل، بس اللي خيمته قش بيغرق أول الناس”.

​إن الحديث عن كلفة تبلغ 800 مليون دولار لهذه الزيادات هو حديثٌ يحتاج إلى الكثير من “التدقيق الجنائي” في لغة الأرقام قبل لغة النوايا. فإذا كان البند الثالث عشر في الجزء الأول من الموازنة، وهو العمود الفقري للرواتب والأجور والتعويضات، يبلغ نحو 1422 مليون دولار بسعر الصرف الحالي، فكيف تستقيم حسابات وزارة المالية حين تدعي أن زيادةً طفيفة، لا تتجاوز في أحسن أحوالها مئة أو مئتي دولار في جيب الموظف الصغير، ستكلف الدولة أكثر من خمسين في المئة من إجمالي ما تدفعه أصلاً لكل ملاك الدولة؟ إن هذا التضخم المريب في تقدير الكلفة يشي بأن هناك “قطبة مخفية” أو ربما “ثقباً أسود” يُراد ردمه بذرائع اجتماعية، وكأن السلطة استحلّت وجع القطاع العام لتمرّر سلة ضرائب كانت تتحين الفرص لفرضها، تماماً كما في حكايا “أبو علي” حين كان “الواوي” يدعي الصلاح ليدخل القنّ ويسرق الدجاج. أما التذرع بإلغاء زيادة المازوت لتبرير حرق جيوب الناس بفرض رسم مقطوع قدره 300,000 ليرة لبنانية على كل صفيحة بنزين، فهو منطق “شلحوا الطربوش ولبّسوا القميص”؛ فالبنزين اليوم هو “إكسجين” الفقير قبل الغني، وهذه الزيادة الصاعقة هي “خوّة قانونية” ستؤدي بالضرورة إلى تضخمٍ مستولد يبتلع الزيادة قبل أن تُصرف من الصرّاف الآلي.

​في علم الاقتصاد الرصين، يُعد رفع الضريبة على القيمة المضافة لتصبح 12% (بزيادة 1%) في زمن الركود نوعاً من الانتحار المالي، لأنك ببساطة تزيد من كلفة الإنتاج والنقل، فتجعل الموظف الذي فرح بزيادة راتبه يكتشف عند أول “دكّانة” أن قدرته الشرائية تراجعت ولم تتحسن. إنها لعبة “الخمسة بعشرة” التي برع فيها اللبناني تاريخياً، ولكن هذه المرة تمارسها الدولة ضد مواطنيها بدمٍ بارد. الحكومة هنا لا تمول الرواتب من فائضٍ في الإنتاج أو من ملاحقة الحيتان المتهربين في المرافئ، بل تمولها من “فلس الأرملة” ومن خزان وقود السيارة المتهالكة التي تنقل الموظف إلى عمله وسيدفع عنها 300,000 ليرة إضافية مع كل تعبئة. وهنا نسأل وزارة المالية بلسان كل بيت لبناني: هل حقاً يحتاج الموظف إلى 800 مليون دولار ليعيش بكرامة، أم أن هذه الأرقام هي “فزّاعة” استُخدمت لإخضاع الرأي العام وقبول ضرائب جائرة ستدرّ على الخزينة مبالغ تفوق بكثير ما سيُوزع على الرواتب؟ يبدو أن الدولة تخلت عن دورها كـ “ناظم” اقتصادي لتلعب دور “التاجر الشاطر” الذي يرفع هامش ربحه تحت غطاء الأزمات.

​لقد غاب عن بال صانع القرار أن الاقتصاد ليس مجرد جداول صمّاء، بل هو عصب الحياة اليومية والعدالة المفقودة. فبدلاً من دمج التعويضات والمساعدات والمثابرة في صلب الراتب لتصبح حقوقاً مكتسبة تضمن كرامة الموظف عند التقاعد، نراهم يبتكرون مسميات “هجينة” تبقي الموظف تحت رحمة “المكرمة” السلطوية. هذا التشتت في بنود الرواتب، بين بدل بنزين وبدل حضور وبدل مثابرة، هو في الحقيقة هروب من مواجهة الحقيقة الهيكلية للإدارة اللبنانية. إن ما نحتاجه اليوم ليس “حقناً تخديرية” ممولة من جيوب المفقرين بضريبة الـ1% الإضافية، بل مصارحة وطنية كبرى حول حجم الإنفاق الفعلي. فالمواطن الذي يقرأ أن الدولة ستدفع 800 مليون دولار كزيادة، يتوقع أن يرى نهضة في معيشة جاره الموظف، لكنه حين يرى الواقع، يكتشف أن الدولة “باعت السمك في البحر”، وأن المستفيد الأكبر هو الخزينة التي ستجبي من الرسوم والضرائب المستحدثة ما يغطي العجز ويترك الموظف والمواطن في صراعٍ مرير على “لقمة العيش” المغمسة بالبنزين الغالي. وكما كان سلام الراسي يقول في أمثاله: “اللي بياكل على ضرس غيره ما بيشبع”، والحكومة اليوم تحاول أن تشبع نهمها المالي من ضرس الطبقة الوسطى والفقيرة، مدعيةً أنها تنصف القطاع العام.

​إن هذه السياسة المالية تفتقر إلى “البوصلة” التي تميز بين الضريبة العادلة والجباية القسرية. إن رفع الـ TVA وتغليّة صفيحة البنزين بـ 300,000 ليرة في بلدٍ يعاني من انكماشٍ حاد سيؤدي حكماً إلى تراجع الاستهلاك، مما قد ينعكس سلباً على إيرادات الدولة لاحقاً، لندخل في حلقة مفرغة من “الفقر والتفقير”. فهل حقاً سألت الحكومة نفسها عن أثر هذه الضرائب على أسعار السلع الأساسية؟ أم أن الهمّ الوحيد كان “تقريش” إضرابات القطاع العام وتحويلها إلى أداة لزيادة الجباية؟ إننا أمام مشهدٍ سريالي، حيث الدولة تتصرف كمن يطالب الناس بدفع ثمن الهواء الذي يتنفسونه بحجة تحسين جودة “القبور”. إن المطلوب اليوم ليس “ترقيع” الموازنة بضرائب “عمياء” تطال الرغيف قبل الرصيف، بل العودة إلى الأصول: ملاحقة التهرب الضريبي، إصلاح الإدارة جذرياً، وتقديم أرقام صادقة تعكس الكلفة الحقيقية بعيداً عن سياسة “تضخيم الفواتير” التي باتت سمةً ملازمة لكل مشروع موازنة. إن كلفة الـ 800 مليون دولار ستبقى “وصمة شك” في جبين هذه الموازنة حتى تثبت وزارة المالية، بالقرش والليرة، أين تذهب هذه الأموال، وإلا فإن التاريخ سيسجل أن الحكومة “تاجرت” بجوع موظفيها لتملأ صناديقها من عرق عمالها، في أكبر عملية “خداع مالي” شهدها لبنان المعاصر.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top