حين يصوم المختلفون… وتبتسم السماء

بقلم ريتا السهوي- ديمقراطيا نيوز

إذا اختلفت الطقوس وبقي الخشوع… يبقى الله جامعنا.
وحين يصوم المسلم والمسيحي معًا… السماء تبتسم.
قد تبدو الطقوس مختلفة في ظاهرها؛
مواعيد الإمساك، أنواع الامتناع، الصلوات، التراتيل، الأدعية…
لكن في العمق، هناك شيء واحد لا يتغير:
الرغبة الصادقة في الاقتراب من الله.
الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام.
هو تدريب للروح على أن تتقدّم على الجسد،
هو لحظة صمت داخل ضجيج العالم،
هو مراجعة للنفس،
هو محاولة صادقة لنكون أفضل مما كنّا.
المسيحي حين يصوم، يصوم بقلبٍ تائب،
والمسلم حين يصوم، يصوم بقلبٍ خاشع،
وكلاهما يقف أمام الله بضعفه، بطلبه، بأمله.
كلاهما يعترف بأنه يحتاج إلى النور…
وأن الطريق إلى السماء يبدأ من الداخل.
لكن الصيام ليس مباراة.
ليس سباقًا في عدد الأيام،
ولا استعراضًا في نوعية الطعام على موائد الإفطار،
ولا مناسبة اجتماعية تُقاس بصورٍ وزينةٍ ومظاهر.
الصيام الحقيقي لا يُقاس بكم امتنعنا عن الأكل،
بل بكم امتنعنا عن الأذى.
لا يُقاس بوقت الجوع،
بل بوقت الرحمة.
هناك من لا يأكل لأنه صائم…
وهناك من لا يأكل لأنه محتاج.
والفرق بين الاثنين هو المسؤولية.
حين نصوم، نحن نختبر الجوع بإرادتنا،
لكن غيرنا يعيشه قهرًا.
فإذا لم يحرّك فينا الصيام إحساسًا بالفقراء،
فقد تحوّل من عبادة إلى عادة.
الصيام ليس عزيمة تُردّ بعزيمة،
ولا دعوة اجتماعية ننتظر مقابلها دعوة أخرى.
الصيام مشاركة في محبة الله،
هو أن نُخرج من قلوبنا ما يثقّلها،
وأن نُعيد ترتيب أولوياتنا،
وأن نعيش الوصايا لا أن نحفظها فقط.
نصوم لنغفر،
لنهدأ،
لنُصلح،
لنُعيد للإنسان مكانته قبل مصالحنا.
الصيام المشترك لا يعني ذوبان الهويات،
ولا إلغاء الاختلاف،
بل يعني احترام الطريق الآخر،
والاعتراف بأن الإيمان الحقيقي لا يخاف من التنوع.
نصوم بطرق مختلفة…
لكننا نرتقي بالروح نفسها.
نمتنع عن الطعام…
لنُطعم أرواحنا محبة.
نخفض رؤوسنا…
لنرفع قلوبنا.
وفي زمنٍ تمتلئ فيه الأرض بالصخب والانقسام،
ربما الصيام المتزامن هو رسالة سماوية هادئة تقول لنا:
أن القلوب يمكن أن تتلاقى
حتى لو اختلفت التفاصيل.
إذا بقي الخشوع،
وبقي الاحترام،
وبقي الدعاء صادقًا…
يبقى الله جامعنا.
وتبقى السماء تبتسم.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top