لبنان في “خطاب حال الاتحاد”: حين يصبح الوطن “مشكلة صغيرة” في حقيبة المقاول الأكبر

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​في اللحظة التي كان فيها “الرجل الأشقر” يمشط شعره أمام مرآة التاريخ في واشنطن، محاطاً بهيبة الكابيتول وتريليونات الحصالة الكونية التي لا تكف عن الدوران، كنتُ أجلس على رصيفٍ في بيروت، أراقب نملةً تحاول عبور شقٍ في الإسفلت المتهالك. في واشنطن، كان التصفيق يدوي كالقصف والوعود تسقط كالثلج على رؤوس الواقفين تحت سقف الكونغرس، وهناك، بين فقرة عن أزمة “الفنتانيل” وأخرى عن غزو المريخ اقتصادياً، رمى إلينا بكلمة واحدة، سقطت فوق رؤوسنا كحجرٍ طائش: “لبنان؟ مشكلة صغيرة”. يا إلهي، كم هو مريح أن نكون صغاراً في عين القوة، وكم هو مرعب في آنٍ معاً أن نكون “رخيصين” في سوق الصفقات الدولية. منذ عقود ونحن ننتف ريش بعضنا البعض لكي يصدق العالم أننا “صراع حضارات” أو “قلب الشرق النابض”، ثم يأتي هذا الرجل ببدلته المكوية وربطة عنقه التي تشبه حدّ السكين، ليختصر كل جنازاتنا، وكل طوابير الذل أمام المصارف، وكل أحلامنا المجهضة، في عبارة “مشكلة صغيرة”.

​لكن، يا مستر ترمب، خلف هذه “المشكلة الصغيرة” التي وصفتها في خطاب حال الاتحاد، هناك شعبٌ سئم من كونه مجرد “صندوق بريد” يحترق كلما اختلف الجيران أو اتفقوا. نحن نرفض، وبملء أفواهنا المتعبة بالصراخ والاحتجاج، أن نكون “بيعة وشروة” في سوق النخاسة السياسية القائم بين واشنطن وطهران. لا نريد أن نكون “التحلية” على طاولة عشاءٍ تجمعك مع “الملالي”، ولا نريد أن نكون “كبش الفداء” الذي يُذبح في احتفالية مباركة صفقاتكم النووية أو النفطية. المشكلة الحقيقية ليست في نظرتك البراغماتية المتوحشة وحدها، بل فينا نحن؛ في تلك الأطراف اللبنانية التي تصرّ على ارتداء عباءاتٍ أيديولوجية أوسع من حدود الوطن، وتحشر أنوفها في حروب الآخرين من غزة إلى صنعاء، ومن دمشق إلى بغداد. لقد استنزفنا طاقاتنا في “تصدير” دمنا و”استيراد” رصاصهم، وآن الأوان لنغلق أبوابنا علينا، ونعتزل هذا السيرك الإقليمي المجنون الذي لم يجلب لنا سوى الخراب والتبعية المقيتة.

​أنت ترى فينا مجرد “برغي” مرتخٍ في ماكينة الشرق الأوسط الجديدة، يحتاج إلى “شدّة” واحدة ليعود المصنع إلى العمل وفق رؤيتك الاستثمارية. لكننا لسنا براغي؛ نحن أجسادٌ ترفض أن تكون وقوداً لمحركاتكم الكبرى. إن وصفك لنا بـ “المشكلة الصغيرة” هو ذروة البراغماتية التي تدهس العواطف والكيانات الوطنية؛ فأنت تريد “تنظيف” الساحة لتفرش سجادك الاستثماري، ونحن نريد أن “ننظف” بيتنا من ارتهان القرار ومن أحلام الزعامة العابرة للحدود التي لم تورثنا إلا الذل والفقر. في غزة يقولون إنك “أنهيت الحرب”، وفي فنزويلا “اشتريت النفط”، وعندما يصل الدور إلينا، لا نريد منك “صدقة”، ولا نريد أن نكون جزءاً من “سلة مقايضاتك” الكبرى. نحن شعبٌ يريد أن يُترك لشأنه، بعيداً عن صواريخ “الفنتانيل” السياسية التي تخدّر عقول بعضنا وتجعلهم يقاتلون في جبهاتٍ ليست جبهاتنا، ويحرسون حدوداً ليست حدودنا.

​إن “الحل الصغير” الذي تلوح به من منبر الكابيتول، والذي لا يحتمل كلمة “لا”، يجب أن يصطدم بحقيقة صلبة: لبنان لم يعد يحتمل أن يكون “ساحة تنفيس”. إذا كنت تريد مسح الطاولة من الغبار العالق بها، فابدأ بمسح فكرة أننا “جائزة ترضية” تمنحها لإيران أو تسلبها منها في مفاوضاتك. نحن كيانٌ سياسي واجتماعي، رغم كل هشاشته وتصدعاته، يصرّ على ألا يكون مجرد “بند تقني” في محاضر جنيف أو الدوحة.

يا وطني، يا “المشكلة الصغيرة” التي أتعبت كبار العالم، ها هو “المقاول الأكبر” يضع عينيه عليك، فلا تكن طعماً في صنارته. كن ذكياً لمرة واحدة، وقل لكل الأطراف في الداخل: كفى. كفى لعباً بالنار خارج السياج، وكفى انتظاراً لإشارة مباركة من السفارات. الكبار في هذا الزمان لا يتصالحون حباً في السلام، بل يقتسمون الغنائم وفق موازين القوى، وإذا لم نقرر اليوم أن نخرج من ميزان “الغنائم”؛ سنظل دوماً “الخسارة” المؤكدة في كل ميزانية دولية تُقرّ تحت قبة الكونغرس أو في أروقة طهران. نحن لسنا فائضاً في ميزان أحد، ولا فكّةً في جيب أحد، نحن “المشكلة” التي لن تُحل إلا حين نصبح مواطنين في وطن، لا وقوداً في محاور.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top