
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
في الثاني من آذار لعام ألفين وستة وعشرين، يقف لبنانُ أمام مرآته المثقلة بالندوب، لا ليحصي خسائره فحسب، بل ليواجه سؤاله الوجودي الأكبر الذي طالما حاول القفز فوقه ببهلوانية سياسية رشيقة. إن المقررات السيادية التي صدرت اليوم عن الدولة اللبنانية، في محاولتها لاسترداد حصرية القرار، لم تكن مجرد بنود قانونية جافة، بل كانت “مبضع جراح” يحاول استئصال التورم العقائدي من جسد المواطنة المثخن بالولاءات العابرة للحدود. هنا، في زحام الأزمات، يبرز حزب الله لا كحزب سياسي فحسب، بل كإشكالية فلسفية واجتماعية ترفض الانحباس في حدود “الجغرافيا” اللبنانية، وتصرّ على التحليق في سماء “التكليف” الإلهي الذي تتجاوز آفاقه حدود الوطن والسيادة.
إن المعضلة الكبرى التي تواجه اندماج هذا الكيان في النسيج الوطني اللبناني لا تكمن في توزيع الحصص الوزارية أو التوازنات الطائفية الهشة، بل تضرب جذورها في “الأنطولوجيا” السياسية للحزب. فبينما تحاول الدولة اللبنانية، عبر مقرراتها الأخيرة، تكريس مفهوم “العقد الاجتماعي” القائم على المواطنة، يظل الحزب مخلصاً لعقيدة “ولاية الفقيه” التي ترى في الوطن مجرد محطة، وفي الحدود مجرد خطوط وهمية رسمها استعمار غابر. هذا التناقض الجوهري يخلق حالة من “الاغتراب الوطني” داخل الجسد اللبناني؛ إذ كيف يمكن لنسيج وطني أن يكتمل بينما أحد خيوطه الأكثر قوة ومتانة يمتد إلى خارج نول الدولة، متصلاً بمركزية “الولي” في طهران؟ إن نصر الله، في أدبياته الراسخة، يرفع الولاية إلى مصاف القداسة النبوية، مما يجعل أي محاولة لـ “لبننة” الحزب بمثابة تجديف عقائدي في نظر مريديه، وهو ما يضع الدولة في مواجهة مع “غيبية” سياسية لا تقبل التفاوض.
لقد حاول الإمام محمد مهدي شمس الدين، برؤيته الثاقبة، أن يبني جسراً فقهياً يعبر بالطائفة الشيعية من ضفة “الانتظار” و”الولاية العامة” إلى ضفة “ولاية الأمة على نفسها”. كانت تلك الرؤية هي المخرج الحضاري لدمج البعد الديني بالهوية الوطنية، لكن حزب الله اختار المسار المعاكس، مسار “العسكرة العقائدية” التي جعلت من المجتمع الشيعي في لبنان “مجتمعاً موازياً” وليس مجتمعاً مندمجاً. اليوم، وفي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها مقررات آذار 2026، يجد الحزب نفسه أمام استحقاق “النزول من الجبل” العقائدي إلى سهول الواقعية اللبنانية. فالاندماج في النسيج الاجتماعي لا يتحقق عبر الخطابات التعبوية، بل عبر انصهار المؤسسات الحزبية الموازية من الصحة إلى المال والأمن في بوتقة المؤسسة الرسمية للدولة. إن “المجتمع المقاوم” الذي بناه الحزب، برغم تكاتفه الداخلي، ظل بمثابة “قلعة حصينة” محاطة بخنادق الشك تجاه الشركاء في الوطن، مما جعل العيش المشترك مجرد “مساكنة قسرية” تحكمها توازنات القوة لا روح الانتماء.
إن المقررات السيادية الصادرة اليوم تضع الحزب أمام مرآة الحقيقة: هل يمكن لمقاتل تشرب عقيدة “التكليف الشرعي” العابر للقارات أن يتحول إلى جندي يأتمر بأمر دستور “وضعي”؟ إن الفجوة الفلسفية هنا شاسعة؛ فالدولة الوطنية تقوم على “النسبية” و”تداول السلطة” و”المرجعية الدستورية”، بينما يقوم الحزب على “المطلقات” و”الطاعة العمياء” و”المرجعية الإلهية” المتمثلة في الفقيه. هذا الصدام بين “الزمن الإلهي” و”الزمن الوطني” هو ما يعيق إنتاج هوية لبنانية موحدة. الاندماج الحقيقي يتطلب أكثر من مجرد تسليم سلاح؛ إنه يتطلب “توبة فكرية” تعيد الاعتبار لـ “الكيان اللبناني” كغاية بحد ذاته، لا كساحة نفوذ أو صندوق بريد لرسائل إقليمية. إن النسيج الاجتماعي اللبناني اليوم ممزق بين منطقين: منطق الدولة التي تحاول استعادة هيبتها عبر القانون، ومنطق “الدويلة” التي تستمد هيبتها من السطوة الإيديولوجية.
وفي البعد الثقافي، يظهر الحزب كجزيرة فكرية تحاول فرض نمط أحادي من الالتزام في بلد قائم على التعددية الصارخة. إن الاندماج في النسيج اللبناني يعني القبول بالآخر ليس كـ “حليف ضرورة”، بل كشريك في صياغة الحلم الوطني. إن مقررات آذار 2026 ليست مجرد قيود، بل هي “دعوة للحضور” في قلب الدولة لا فوقها. وإذا كان الحزب يدعي حرصه على لبنان، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرته على التخلي عن “الاستثناء” الذي يطالب به دائماً. فالوطن لا يبنى بجيشين، ولا بمرجعيتين، ولا بهويتين متصارعتين تحت سقف واحد. إن اللحظة الراهنة تفرض على العقل الشيعي اللبناني العودة إلى جذور “اللبننة” التي أسس لها كبار المجتهدين، والتحلل من عبء “الولاية” التي جعلت من لبنان رهينة لتجاذبات المحاور.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن المشاريع “ما فوق القومية” و”ما فوق الوطنية” غالباً ما تتهشم على صخرة الواقع المحلي. والحزب، رغم فائض القوة الذي يمتلكه، يواجه اليوم استحقاق “العودة إلى البيت”. إن الاندماج في الدولة يعني القبول بالرقابة، وبالمحاسبة، وبحصرية السلاح، وبقرارات السلم والحرب التي تخرج من رحم الإجماع الوطني لا من المكاتب المغلقة في طهران. إن لبنان 2026، بجراحه وآماله، لم يعد يحتمل أنصاف الحلول أو “الغموض البناء” الذي كان يقتات عليه الساسة. إنها لحظة الوضوح القاسي: فإما دولة تبتلع الحزب في جوفها الوطني، وإما حزب يبتلع الدولة في جوفه العقائدي، ولا وسط بين المنزلتين.
ختاماً، إن الرهان على اندماج حزب الله في النسيج الوطني اللبناني يظل رهاناً على “تحول بنيوي” في فكر الحزب لا في سلوكه فقط. إنها عملية تتطلب شجاعة نقدية لمراجعة ثوابت التأسيس، والاعتراف بأن “الفقيه” قد يكون مرجعاً في الصلاة، لكن “الدستور” هو المرجع الوحيد في بناء الأوطان. إن مقررات الثاني من آذار هي الصرخة الأخيرة لبعث الروح في جسد لبنان المنهك، فهل يستجيب الحزب لنداء الأرض، أم يظل أسيراً لنداءات السماء البعيدة، تاركاً النسيج اللبناني ينسلّ خيطاً بعد خيط في مهب الريح؟ إن التاريخ لا يرحم الكيانات التي ترفض النمو داخل حدودها، ولبنان اليوم يطالب بحقه في الوجود، سيادياً، موحداً، ومتحرراً من أوهام “الولاية” التي لم تجلب للشرق سوى الحرائق الممتدة.
