
بقلم رفيق عبدالله- ديمقراطيا نيوز
منذ نهاية الحرب الباردة تقريباً، وجد النظام الإقليمي العربي نفسه في حالة انكشاف استراتيجي متزايد. لم يكن ذلك نتيجة ضعف الموارد أو غياب الإمكانات بقدر ما كان نتيجة خلل في الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. فالعالم العربي، خلال العقود الأربعة الماضية، تعامل مع التهديدات الإقليمية الكبرى بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق بناء التوازنات. ونتيجة لذلك، تمكنت قوى غير عربية من إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، بينما اكتفى العرب بدور المتفرج أو المتلقي للنتائج.
في علم العلاقات الدولية، تُعدّ قدرة الدول على استشراف التحولات وبناء توازنات قوى مسبقة أحد أهم شروط الاستقرار الاستراتيجي. غير أن العالم العربي، منذ ثمانينيات القرن الماضي، أخفق في بناء مثل هذه التوازنات. فقد ترك المجال مفتوحاً أمام إيران لتوسيع نفوذها الإقليمي بصورة تدريجية، حتى أصبحت حاضرة بشكل مباشر أو غير مباشر في أربع عواصم عربية: بغداد، دمشق، بيروت وصنعاء. هذا التوسع لم يكن مفاجئاً من الناحية النظرية؛ فإيران، منذ الثورة عام 1979، أعلنت مشروعاً إقليمياً واضح المعالم يقوم على تصدير النفوذ وبناء شبكات حلفاء عابرة للدول. غير أن الرد العربي ظل متأخراً ومجزأً، وغالباً ما كان يعتمد على تدخلات خارجية أكثر مما يعتمد على بناء منظومات ردع ذاتية.
المفارقة أن هذا الفراغ الاستراتيجي لم يقتصر على الساحة الإيرانية فحسب، بل امتد أيضاً إلى الملف الإسرائيلي. فمنذ توقيع اتفاقيات أوسلو في التسعينيات، راهن جزء كبير من النظام العربي على فرضية أن العملية السياسية ستقود تدريجياً إلى تسوية نهائية للقضية الفلسطينية. غير أن ما حدث عملياً كان العكس تماماً: توسع استيطاني غير مسبوق في الضفة الغربية، سيطرة إسرائيلية محكمة على غزة، وتآكل متدرج لفكرة الدولة الفلسطينية. ورغم وضوح هذا المسار منذ سنوات طويلة، لم يتم تطوير استراتيجية عربية جماعية قادرة على إعادة تشكيل معادلة القوة أو حتى فرض تكلفة سياسية حقيقية على هذا الواقع.
جزء من المشكلة يكمن في ما يسميه منظّرو العلاقات الدولية “الاعتماد الأمني الخارجي” (Security Dependence). فقد اعتمدت معظم الدول العربية، منذ نهاية الحرب الباردة، على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن النهائي لأمن المنطقة. هذا الاعتماد خلق نوعاً من الركون إلى المظلة الأميركية بدلاً من الاستثمار الجاد في بناء منظومات ردع إقليمية مستقلة. ومع مرور الوقت، تحولت هذه العلاقة إلى نمط شبه بنيوي من التبعية الأمنية، حيث تراجع الدافع لتطوير قدرات استراتيجية ذاتية.
المقارنة مع تركيا تقدم نموذجاً لافتاً. فتركيا، رغم أزماتها الاقتصادية وتوتراتها السياسية الداخلية بين التيارات الإسلامية والعلمانية، اتبعت منذ مطلع الألفية سياسة مختلفة تقوم على الاستثمار المكثف في الصناعات الدفاعية. خلال عقدين فقط، تحولت من دولة تعتمد على استيراد معظم أسلحتها إلى دولة تمتلك منظومة تصنيع عسكري متقدمة تشمل الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع والصواريخ التكتيكية. هذه القدرة لم تجعل تركيا قوة عظمى، لكنها منحتها ما يسميه علماء السياسة “القدرة الردعية المتوسطة” (Middle Power Deterrence)، أي القدرة على فرض كلفة على أي خصم يفكر في مواجهتها.
في المقابل، بقي العالم العربي يملك موارد مالية ضخمة لكنه لم ينجح في تحويلها إلى قوة استراتيجية متماسكة. فالإنفاق العسكري العربي، إذا جمعته الأرقام، يُعد من بين الأعلى في العالم، لكنه بقي مشتتاً بين جيوش منفصلة وعقائد دفاعية غير متكاملة. وفي غياب منظومة أمن جماعي حقيقية، أصبح كل بلد يتعامل مع التهديدات منفرداً، ما أدى إلى حالة من التفكك الاستراتيجي المزمن.
اليوم، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة. فالمسار المتصاعد لمواجهة النفوذ الإيراني، سواء عبر العقوبات أو العمليات العسكرية أو محاولات تغيير النظام داخل إيران، لا يمكن فهمه فقط في إطار الصراع الإيراني-الأميركي. فالكثير من الباحثين في الجيوبوليتيك يرون أن تفكيك المحور الإيراني قد يفتح المجال أمام إعادة ترتيب إقليمي تقوده إسرائيل بوصفها القوة العسكرية الأكثر تفوقاً في المنطقة. بمعنى آخر، قد يؤدي انهيار توازن القوة الحالي إلى انتقال المنطقة من هيمنة إيرانية غير مباشرة إلى نفوذ إسرائيلي أكثر وضوحاً وفاعلية.
هذه الفرضية ليست بعيدة عن منطق السياسة الواقعية. فالدول التي تمتلك التفوق العسكري والتكنولوجي تسعى عادة إلى تحويل هذا التفوق إلى نفوذ سياسي. وإذا أصبحت إسرائيل الطرف الوحيد الذي يمتلك قدرات عسكرية متقدمة ونفوذاً وثيقاً في واشنطن، فمن الطبيعي أن تسعى إلى لعب دور مركزي في تحديد قواعد اللعبة الإقليمية. عندها قد لا يقتصر النفوذ على الملفات الأمنية، بل قد يمتد إلى التأثير في التوازنات السياسية داخل بعض الدول العربية نفسها، سواء عبر الضغط الدبلوماسي أو عبر توظيف شبكات النفوذ الاقتصادية والسياسية.
في هذا السياق، يصبح التصعيد الإيراني، بما في ذلك استهداف قواعد أميركية في دول عربية، جزءاً من لعبة إقليمية معقدة. فجرّ الدول العربية إلى مواجهة مباشرة مع إيران قد يؤدي عملياً إلى تعميق الاعتماد على التحالفات الأمنية الخارجية، وهو ما يخلق بيئة استراتيجية تخدم في نهاية المطاف مصلحة القوى الأكثر تنظيماً وتفوقاً عسكرياً في المنطقة. وبذلك تتحول المنطقة إلى ساحة صراع بين محورين غير عربيين، بينما يبقى العرب أنفسهم خارج معادلة صنع القرار.
إن المأزق الحالي يعكس ما يسميه بعض منظري السياسة الدولية “فشل العمل الجماعي” (Collective Action Failure). فالدول العربية، رغم تشابه مصالحها الأمنية في كثير من الأحيان، لم تتمكن من تطوير آليات فعالة للتنسيق الاستراتيجي. وغالباً ما كانت الخلافات البينية أو الحسابات قصيرة المدى أقوى من فكرة المصالح المشتركة بعيدة المدى.
لكن هذا الواقع ليس قدراً حتمياً. فالعالم العربي يمتلك مقومات قوة هائلة: موقع جغرافي مركزي، موارد مالية ضخمة، أسواق كبيرة، وشبكات علاقات اقتصادية مع القوى الكبرى. المشكلة ليست في غياب الموارد، بل في غياب الرؤية المشتركة التي تحول هذه الموارد إلى قوة استراتيجية متماسكة.
إن بناء مثل هذه الرؤية يتطلب أولاً تجاوز منطق الانقسامات الثانوية، وثانياً تطوير مفهوم جديد للأمن العربي يقوم على مبدأ الاعتماد الذاتي النسبي. هذا لا يعني الانفصال عن النظام الدولي أو القطيعة مع القوى الكبرى، بل يعني إعادة التوازن في العلاقات بحيث لا يكون الأمن العربي رهينة إرادة خارجية.
كما يمكن للعالم العربي أن يبحث عن شراكات استراتيجية مع قوى إقليمية تمتلك قدرات مكملة وليست مشاريع هيمنة، مثل تركيا أو باكستان. فتركيا تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متقدمة، بينما تمتلك باكستان قدرات نووية تشكل عنصر ردع استراتيجي. التعاون مع مثل هذه القوى قد يساهم في بناء منظومة توازن إقليمي أكثر استقراراً.
في النهاية، تقف المنطقة اليوم أمام مفترق تاريخي. فإذا استمر العرب في إدارة أزماتهم بمنطق التجزئة وردّ الفعل، فقد يجدون أنفسهم في نظام إقليمي جديد تُصاغ قواعده من خارجهم. أما إذا تمكنوا من تحويل مواردهم وإمكاناتهم إلى مشروع تعاون استراتيجي حقيقي، فقد يصبح بالإمكان إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة بطريقة أكثر توازناً واستقلالاً. فالتاريخ الإقليمي لا يكتبه الأقوى فقط، بل يكتبه أيضاً من يمتلك القدرة على التعلم من أخطاء الماضي وبناء رؤية للمستقبل.
