
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
في أقبية التاريخ التي لا يزورها الضوء، تبرز حكاية جوزيف ستالين كأبشع مانيفستو لسادية الحكم وتفكيك شيفرة العبودية الطوعية؛ قيل إنه قبض على دجاجة حية أمام حاشيته، وبدأ ينتف ريشها بعنفٍ بدائي، صرخةً تلو أخرى، حتى استحالت كتلةً من اللحم المرتعش، عاريةً تنزف وجعاً وصدمة. وحين ألقاها على الأرض ونثر حوله حفنة من شعير، حدثت المعجزة المقززة: الدجاجة التي كان ريشها لا يزال يملأ قبضة الجلاد، بدأت تتبعه كظله، تلتقط الفتات من كفه، وتحتمي بساقه من صقيع الغرفة. التفت ستالين لرفاقه ببرودٍ قاتل قائلاً: هكذا تُساق الجماهير؛ جردها من ريش أمانها أولاً، ثم ارمِ لها الفتات، ستتبعك حتى لو كنت أنت من سلخ جلدها.
هذا المشهد السريالي ليس مجرد رمزية غابرة، بل هو التشريح الأدق للنكبة اللبنانية الراهنة، وتحديداً في فصول النزوح القسري لأهلنا في الجنوب والضاحية. نحن هنا لا نقف أمام توثيق لعدوان خارجي غاشم فحسب، بل أمام إدانة لـ ‘بنية تفكير’ انتحارية، زجّت ببيوتٍ عامرة وقرىً وادعة في أتون مواجهة عبثية، لم يُستشاروا في توقيتها، ولم يُعدّ لدموعهم في دهاليزها مأوى أو كرامة. الحقيقة القاسية التي يحاول البعض رجمها بالشعارات هي أن ‘النزوح’ لم يكن قدراً إلهياً، بل كان نتيجة حتمية لقرار مقامرة عسكري وسياسي؛ ومن قرر خوض حربٍ لا يملك أدنى مقومات القوة المادية لحماية ناسه من تبعاتها، هو شريكٌ مضاربٌ أصيل في عملية ‘نتف الريش’ الجماعية التي يعيشها اللبنانيون اليوم.
أيّ فصامٍ هذا الذي يدفع ‘صانع قرار’ لفتح أبواب الجحيم في مواجهة كبرى، دون أن يملك في جعبته خيمةً تقي طفلاً، أو اقتصاداً يستر عراء مُهجّر، أو حتى خطة إخلاءٍ لا تُذلّ ما تبقى من كرامة الإنسان؟ إن ‘البطولة’ التي لا تزدهر إلا فوق ركام بيوت الفقراء، وتترك العائلات تقتسم الرصيف في بيروت والجبل والشمال، هي بطولة ستالينية سوداء؛ بطولاتٌ لا تتحقق إلا بتجريد المواطن من ‘ريش’ أمانه، ليجد نفسه عارياً تماماً في مواجهة ثنائية قاتلة: وحشية الآلة العسكرية من جهة، وغياب الدولة المتعمد لصالح ‘الدويلة’ من جهة أخرى.
والمفارقة التي تُدمي الوعي قبل القلب، هي رؤية من فقدوا جنى أعمارهم وشاهدوا قراهم تُمسح عن الخارطة، وهم لا يزالون يرفعون شارات النصر لمن هندس نكبتهم. هنا نصل إلى قاع ‘الارتباط الصدمي’؛ حيث يتماهى المذبوح مع نصاله، باحثاً عن وهم الأمان عند من سلب منه الأمان. إنها لُعبة ‘احتكار الأوكسجين’ في أبشع صورها؛ فبعد تدمير البدائل وإغتيال فكرة الدولة، تبرز ‘المعونة الحزبية’ و’منح الإيواء’ كشهيقٍ وحيدٍ متاح. وفي تلك اللحظة، يتحول الجلاد في عين ضحيته إلى ‘مسيحٍ مخلص’، تماماً كدجاجة ستالين التي لم تجد ملاذاً من صقيع الغرفة إلا في الاحتماء بساق من انتزع ريشها بدمٍ بارد. لقد أثبت الواقع المُرّ أن الجوع المشغول بالخوف أقوى من الكرامة، حين تُستنزف تلك الكرامة طويلاً تحت شعارات ‘صمودٍ’ فارهة، لا يدفع ثمنها الحقيقي إلا الضعفاء والمهمشون.
في هذا الكسوف السياسي للعقل، نجد أنفسنا أمام استثمارٍ خبيثٍ في الألم؛ حيث تنفرد فئة بقرار الانتحار الجماعي، ثم توزع رماد الحريق على الجميع بالتساوي. وبدلاً من الانحناء أمام قداسة الجرح أو الاعتراف بخطيئة الحسابات الخاطئة، تُحوَّل دماء النازحين ودموعهم إلى عملةٍ رخيصةٍ في سوق النخاسة الإقليمية. فوق الأنقاض، تُشَيَّد أصنامٌ من القداسة الوهمية، ويُطالب المشردون بأن يقبّلوا اليد التي ‘تمنّ’ عليهم بفتات الإعاشة، وهي اليد ذاتها التي قصّت أجنحتهم وجردتهم من ريش الاستقلال المادي والروحي.
إن تغييب الدولة لم يكن عجزاً، بل كان اغتيالاً متعمداً؛ فالمواطن المستكفي بكرامته، القوي بدولته، لن ينحني أبداً لالتقاط ‘شعير’ التبعية الحزبية. الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب وعياً يمزق الشعارات التي تُباع للجائعين، فالكرامة لا تنبت في أفواهٍ جففها الجوع، والسيادة لا تُمارس عبر ‘وكالات’ عابرة للحدود. إن التغيير الحقيقي يبدأ لحظة يرفض النازح أن يكون مجرد حطبٍ في مدفأة طموحات الآخرين، ولحظة يدرك يقيناً أن من ساقه إلى تيه التهجير، لا يملك في جيوبه خارطةً للعودة.
إن الفارق الجوهري بين شعوب السيادة وقطعان التبعية يكمن في ‘تعدد خيارات البقاء’؛ فمتى احتكر طرفٌ واحدٌ مفاتيح أمنك، ورغيف خبزك، وقرار حياتك وموتك، فقد أُعلنت وفاتك كمواطن لتُبعث كنزيلٍ في ‘مزرعة ستالين’. الحرية ليست صرخةً يطلقها جائعٌ وسط الركام، بل هي قدرة الإنسان على التحليق بجناحين من استقلال، دون أن يضطر للتمسح بساق من انتزع ريشه تحت ستار ‘الحماية’.
إن أهلنا في الجنوب والضاحية، الصابرين رغماً عنهم، يستحقون دولةً كاملة الدسم؛ دولةً تملك ‘الوكالة الحصرية’ للقوة، وجيشاً يذود عن الحدود بقرارٍ سيادي، وقرار حربٍ وسلمٍ لا يُطبخ في عواصمٍ بعيدة، بل ينبع من صميم المصلحة اللبنانية الصرفة. أما الرهان الخسيس على ‘قداسة الصبر’ لتغطية عار المغامرات الفاشلة، فهو مقامرةٌ قذرةٌ بما تبقى من إنسانيتنا. لقد آن الأوان أن يدرك النازح أن كرامته ليست ‘صموداً مجانياً’ في حسابات الغير، بل هي حقٌ في الحياة، والأمان، والعودة التي لا تمر عبر كف الجلاد، ولا تقتات من حفنات الشعير المغموسة بذلّ التبعية العمياء.
