يُطلب من الجيش ما لم تُحضّره الدولة: المعضلة اللبنانية بين القرار السياسي وحدود القدرة العسكرية

بقلم رفيق عبدالله- ديمقراطيا نيوز

في الدول المستقرة تُقاس قوة الدولة بمدى احتكارها الشرعي للعنف. هذه هي القاعدة التي صاغها عالم الاجتماع الألماني Max Weber حين اعتبر أن الدولة الحديثة هي الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل أراضيه. لكن النظرية نفسها تفترض شرطاً مسبقاً: أن تكون الدولة قد بنت مؤسساتها العسكرية والاقتصادية والسياسية بما يسمح بهذا الاحتكار. حين تغيب هذه الشروط، يتحول شعار “احتكار السلاح” من مبدأ دستوري إلى معضلة وجودية.

لبنان يمثل اليوم أحد أكثر النماذج تعقيداً لهذه المفارقة. فمنذ نهاية الحرب الأهلية لم تنشأ معادلة سيادية واضحة، بل تشكل نظام مزدوج: دولة رسمية بجيشها ومؤسساتها، إلى جانب قوة عسكرية غير دولتيّة ممثلة في حزب الله تمتلك قدرة قتالية واستراتيجية مستقلة. هذا الواقع لم يكن حادثاً عابراً، بل نتيجة مسار سياسي طويل سمحت خلاله الحكومات المتعاقبة ببقاء سلاح الحزب خارج إطار الدولة، بل وأضفت عليه شرعية ضمنية عبر بيانات وزارية ومعادلات سياسية كرّست مفهوم “المقاومة” خارج المؤسسة العسكرية.

في المقابل، لم تُمنح المؤسسة العسكرية اللبنانية الأدوات التي تجعلها قادرة فعلاً على فرض السيادة الكاملة. فالتسليح النوعي بقي محدوداً لعقود، كما أن الجيش لم يحصل على تفويض سياسي واضح لبسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية. بل إن القرار الاستراتيجي في قضايا الحرب والسلم ظل عملياً موزعاً بين الدولة وحزب الله، وهو وضع يناقض بحد ذاته مفهوم الدولة الحديثة.

غير أن الأزمة لم تقف عند حدود التوازن العسكري، بل وصلت إلى صلب البنية المادية للمؤسسة العسكرية. فمع الانهيار الاقتصادي الذي ضرب لبنان منذ عام 2019 تآكلت رواتب العسكريين بشكل غير مسبوق. تقارير إعلامية دولية تحدثت عن ضباط كبار لا تتجاوز رواتبهم بضع مئات من الدولارات شهرياً، وعن جنود اضطروا إلى العمل في وظائف إضافية لإعالة أسرهم. هذه ليست مجرد أزمة اجتماعية؛ إنها ضربة مباشرة للجاهزية العسكرية والانضباط المؤسسي. فالجيوش لا تقوم فقط على العقيدة والانضباط، بل أيضاً على الاستقرار المعيشي الذي يسمح للعسكري بأن يكرس حياته للخدمة.

ومع ذلك كله، استمرت السلطة السياسية في تحميل الجيش مهام متزايدة. فهو مطالب بحماية الحدود مع سوريا، وضبط الأمن الداخلي، والانتشار في الجنوب، ومنع أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة. وهذه المهام بحد ذاتها ليست استثنائية في الدول الطبيعية، لكنها تصبح شديدة الخطورة حين تُفرض على مؤسسة لم تُمنح الموارد ولا الغطاء السياسي اللازمين لتنفيذها.

المفارقة الكبرى ظهرت حين قررت الحكومة اللبنانية مؤخراً اعتبار النشاط العسكري لحزب الله خارجاً عن القانون، وطلبت من الجيش اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقفه. من حيث المبدأ، لا يمكن لأي دولة أن تقبل بوجود سلاح خارج إطارها. لكن السياسة لا تُقاس بالمبادئ وحدها بل أيضاً بالقدرة على التنفيذ. فالقرار الذي لا يستند إلى ميزان قوى واقعي قد يتحول إلى مغامرة خطرة.

التقديرات التي نشرتها مؤسسات إعلامية ودبلوماسية دولية تشير بوضوح إلى أن مواجهة عسكرية مباشرة بين الجيش اللبناني وحزب الله قد تؤدي إلى نتائج كارثية، ليس فقط بسبب القوة العسكرية للحزب، بل أيضاً بسبب تركيب المجتمع اللبناني نفسه. فالحزب يمثل قاعدة اجتماعية واسعة داخل الطائفة الشيعية، كما أن جزءاً من عناصر الجيش ينحدرون من البيئة نفسها. وفي مثل هذه الحالات يصبح احتمال الانقسام الداخلي داخل المؤسسة العسكرية خطراً حقيقياً، وهو السيناريو الذي تخشاه كل الدول متعددة الطوائف.

هذا الواقع يضع الجيش اللبناني أمام معضلة كلاسيكية في نظريات العلاقات المدنية العسكرية التي تناولها مفكرون مثل Samuel P. Huntington وMorris Janowitz. فالأصل في الديمقراطية أن يخضع الجيش للسلطة السياسية، لكن هذه القاعدة تفترض أن القرار السياسي عقلاني ومتوافق مع القدرة العسكرية. حين تطلب السلطة من جيشها تنفيذ مهمة قد تؤدي إلى تفككه أو إلى حرب أهلية، يصبح السؤال ليس عن الطاعة العسكرية بل عن مسؤولية القيادة السياسية نفسها.

في هذا السياق برزت انتقادات صاخبة من بعض النواب الذين هاجموا الجيش لعدم امتثاله الكامل للقرار السياسي. لكن قراءة أكثر هدوءاً لهذه المواقف تكشف أن جزءاً كبيراً منها يفتقر إلى الفهم الواقعي لطبيعة المؤسسة العسكرية اللبنانية. فالبعض يتعامل مع الجيش وكأنه قوة منفصلة عن المجتمع اللبناني، في حين أنه في الحقيقة انعكاس لتركيبته الاجتماعية والطائفية.

والأخطر أن بعض هذه الانتقادات قد لا يكون مجرد سوء تقدير، بل جزءاً من محاولة تسجيل مواقف سياسية تخدم أجندات خارجية. فالولايات المتحدة، التي تعتبر نزع سلاح حزب الله هدفاً استراتيجياً، تضغط منذ سنوات في هذا الاتجاه. لكن تحويل الجيش اللبناني إلى الأداة الرئيسية لتنفيذ هذا الهدف بالقوة قد يعني عملياً دفع البلاد نحو مواجهة داخلية واسعة. ومن المفارقات أن بعض السياسيين المحليين يتبنون هذا الطرح بحماسة قد تفوق أحياناً حماسة داعميه الخارجيين.

لهذا السبب، فإن تحميل الجيش مسؤولية حل معضلة تراكمت عبر ثلاثة عقود من القرارات السياسية المتناقضة يمثل في جوهره نوعاً من الهروب السياسي إلى الأمام. فالمشكلة الأساسية ليست في الجيش، بل في الدولة التي فشلت في بناء سيادة متماسكة منذ نهاية الحرب الأهلية. لا يمكن لمؤسسة عسكرية أن تعالج بمفردها أزمة سيادية صنعتها الطبقة السياسية عبر عقود.

إن التجارب الدولية تظهر أن نزع سلاح القوى غير الدولتية لا يتم عادة بقرار عسكري فجائي، بل عبر مسارات سياسية معقدة تتضمن تسويات داخلية وضمانات إقليمية وتوازنات دقيقة. أما محاولة فرضه بالقوة في مجتمع منقسم فقد تؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها انهيار المؤسسة العسكرية نفسها.

من هنا، فإن النقاش الحقيقي في لبنان لا يجب أن يدور حول ما إذا كان الجيش يمتثل أو لا يمتثل، بل حول السؤال الأعمق: كيف وصلت الدولة إلى مرحلة تطلب فيها من جيشها إنجاز مهمة لم تُحضّر شروطها السياسية ولا العسكرية؟

في نهاية المطاف، تبقى المؤسسة العسكرية اللبنانية واحدة من آخر المؤسسات الوطنية التي ما زالت تحافظ على قدر من التماسك في بلد أنهكته الانقسامات. والمفارقة أن الخطر الأكبر عليها اليوم لا يأتي فقط من التحديات الأمنية الخارجية، بل من محاولات تحميلها ما يفوق قدرتها بكثير.

فالجيش يمكنه حماية الدولة، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلاً عنها. وإذا استمرت السياسة في استخدامه كأداة لتعويض فشلها، فإن النتيجة قد لا تكون استعادة السيادة، بل خسارة آخر مؤسسة قادرة على تجسيدها.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top