
بقلم الياس عيسى الياس
في التاسع من آذار، حين تتحول الروزنامة اللبنانية إلى مجرد جردة حساب للوجع المقيم، يقف المعلم اللبناني في قلب المفارقة الصارخة؛ موزَّعاً بين قداسة الرسالة ومهانة الواقع، وبين دور “المربي” الذي يصنع الغد، وواقع “المواطن” الذي يُسلب حاضرُه بدم بارد.
نحن اليوم في عام 2026، ولا يزال المشهد التعليمي يراوح مكانه في تلك المنطقة الرمادية القاتلة؛ فلا الانهيار أجهز على الروح تماماً ليعلن وفاتها، ولا التعافي مدّ يده لانتشال الجسد التربوي من القاع السحيق الذي استقر فيه.
إن الكتابة عن المعلم في هذه اللحظة ليست ترفاً إنشائياً، بل هي محاولة لفهم كيف يستمر الكائن في فعل العطاء حين تفقد أدواته قيمتها المادية، وكيف يتحول “الطبشور” في يده إلى نصل صمود يشق بحر الأزمات المتلاطم.
تاريخياً، كان المعلم في لبنان يمثل “الضمير المستتر” للطبقة الوسطى، تلك الفئة التي شكلت لردح طويل من الزمن صمام الأمان للمجتمع وتوازنه القيمي، قبل أن تعصف بها رياح السياسات المالية العبثية.
أما اليوم، فقد أُحيل هذا المعلم قسراً إلى صفوف فئة تصارع في حلبة يومية لتأمين أبسط مقومات البقاء؛ يساوم على صحته ليؤمن أقساط أبنائه في مدارس باتت تحاكي نرجسية “البقاء للأقوى”.
إنها مأساة وجودية بامتياز؛ أن تطلب من شخص أن ينير عقول الآخرين بينما العتمة الشاملة تلفّ بيته، وأن تبحث لديه عن شعلة المعرفة بينما هو يفتقر لدفء الكفاف وأمان الاستقرار النفسي.
ولم يعد الحديث عن “فقر التعلم” الذي حذرت منه التقارير الدولية مجرد أرقام جافة، بل تحول إلى خطر داهم يسكن بيوتنا ويهدد جينات التفكير في عقول أطفالنا الذين فقدوا انتظام فصولهم الدراسية.
إن “فقر التعلم” في جوهره ليس عجزاً في الإدراك لدى الطفل اللبناني، بل هو النتيجة الحتمية لـ “فقر الكرامة” الذي فُرِض على أستاذه، فالمعلم المكسور لا يمكنه بناء جيل شامخ.
حين يفشل طفل في العاشرة في فك رموز نص بسيط، فنحن لا نقيس مهارة لغوية فحسب، بل نقيس حجم الخراب الذي خلفه تقطيع أوصال العام الدراسي وتآكل القدرة الشرائية لمن نذروا حياتهم للمهنة.
الأزمة لم تعد في “راتب” محروق بالتضخم، بل في “معنى” التعليم نفسه كقيمة؛ فحين تضيع الفجوة بين الجهد والتقدير، نكون أمام زلزال يهدد العقد الاجتماعي اللبناني برُمته.
هذا الزلزال يحول التعليم الرسمي إلى حالة “أنيميا” مزمنة مقابل تعليم خاص يزداد طبقية، مما يؤسس لشرخ مجتمعي ستدفع أجيال المستقبل ثمنه غاليًا من استقرارها وتجانسها.
يعيش المعلم اللبناني اليوم حالة من الانفصال القسري؛ يبذل جهداً ذهنياً وعصبياً هائلاً، لكن ثمرة هذا الجهد لا تنعكس استقراراً في حياته، ومع ذلك يستمر في أداء مهامه كفعل مقاومة وطنية.
إن مكافحة “الأمية المعرفية” هي معركة سيادة حقيقية؛ فالمجتمع الذي يفقد القدرة على القراءة الناقدة، هو مجتمع يسهل ارتهانه وتجهيله وسوقه نحو التبعيات العمياء والولاءات الطائفية الضيقة.
وفي هذا العيد، يقف المعلم أمام سبورته شاهداً وشهيداً، يمارس طقوسه المقدسة في تلاوة تراتيل ‘الحق والجمال والخير’، في حين يخنقه واقع مثقل بضجيج الديون وعوز الاستشفاء الذي لا يرحم شيبةً ولا كرامة. يقف هناك، يحاول بجهدٍ بطولي أن يقنع تلميذه بأن ‘العلم سلاح’، بينما يصرخ الواقع في وجه الفتى بأن السلاح الأمضى في غابة الانهيار هو ‘المال والمحسوبية’. هي مفارقة تراجيدية بامتياز؛ أن يستمر المعلم في غرس قيم ‘المدينة الفاضلة’ في عقول جيلٍ يرى مدينته الحقيقية تنهار تحت وطأة ‘المادة’.
هنا تكمن البطولة التراجيدية؛ أن تظل وفياً للحقيقة في زمن الزيف الشامل، وأن تظل مربياً في زمن الاستهلاك المرّ، وأن تزرع بذور الأمل في تربة مجهدة ومنهكة بالأزمات.
إن تكريم المعلم لا يكون بورود تذبل في يومها، بل بإعادة الاعتبار لمهنة هي “أصل المهن”، وبإدراك أن الاستثمار في الناس هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخضع لقوانين الإفلاس النقدي.
المعلم اللبناني لا ينتظر شفقة، بل ينتظر عدالة مفقودة في زواريب السياسة، يدرك أن المساواة التي تروج لها الخطابات الرسمية هي مساواة في الحرمان لا في الحقوق المكتسبة.
ورغم كل هذا السواد، يبقى المعلم هو المخترع الأكبر؛ فقد اخترع من العدم صموداً، واستنبط من الانهيار صبراً يتجاوز طاقة البشر، وظل الشعلة التي تأبى أن تتحول إلى رماد.
في عيده، ننحني للإنسان القابع خلف المهنة، ذاك الذي لا يزال يؤمن أن قيامة لبنان لا تبدأ من ركام السياسة، بل من مقعد الدراسة، وتنتهي عند الوعي الوطني الشامل.
إلى من يعلمنا كيف نقرأ وجعنا وكيف نكتب مستقبلنا بمداد الصبر الجميل: كل عام وأنت الحقيقة الثابتة الوحيدة في وطن تملأه الأوهام الملونة والوعود الزائفة.
