
بقلم رفيق عبدالله – ديمقراطيا نيوز
في النظريات الكلاسيكية للعلاقات الدولية، تُشن الحروب لتحقيق أهداف سياسية واضحة. لكن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران تكشف مفارقة استراتيجية نادرة: صراع كبير بلا هدف قابل للتحقيق بوضوح. فبين الخطاب المعلن والنتائج الممكنة فجوة يصعب تجاهلها.
الذريعة الأساسية للحرب كانت منع إيران من تطوير برنامجها النووي والبالستي. غير أن هذه الحجة تصطدم بحقيقة معروفة في أدبيات منع الانتشار: البرامج الاستراتيجية ليست مصانع يمكن تدميرها بل منظومات معرفة يمكن إعادة إنتاجها. القوة الحقيقية لأي برنامج نووي تكمن في التراكم العلمي والمؤسساتي الذي نشأ حوله عبر عقود. ولذلك فإن تدمير المنشآت أو المخزون الصاروخي لا يؤدي إلى إنهاء البرنامج، بل إلى تعطيله مؤقتاً فقط.
في حالة دولة بحجم إيران، تمتلك قاعدة علمية واسعة وعدداً كبيراً من العلماء والمؤسسات البحثية، فإن إعادة بناء القدرات تصبح مسألة وقت. ولهذا السبب فإن إنهاء البرنامج فعلياً يتطلب إسقاط الحاضنة السياسية التي تنتجه، أي النظام نفسه. لكن هذا الخيار يعني حرباً برية واسعة شبيهة بغزو العراق عام 2003، وهو سيناريو لا تملك الولايات المتحدة ولا إسرائيل استعداداً سياسياً أو عسكرياً لخوضه.
هكذا وُلدت الحرب من تناقض بنيوي: حرب لا تستطيع تحقيق الهدف الذي أعلنت أنها شُنّت من أجله.
لفهم هذا التناقض يجب النظر إلى طبيعة القرار السياسي الأميركي نفسه. نمط القيادة الذي مثله دونالد ترامب يقوم إلى حد بعيد على شخصنة القرار الاستراتيجي، حيث يمكن للزعيم أن يتخذ قراراً كبيراً بناء على قناعة شخصية ثم تُبنى السردية التي تبرره لاحقاً. في علم السياسة يُعرف هذا النمط بظاهرة التبرير اللاحق للقرار: اتخاذ القرار أولاً ثم بناء الحجج التي تفسره بعد ذلك.
بهذا المعنى، تبدو الحرب أقرب إلى استجابة سياسية لفرصة إسرائيلية منها إلى تعبير عن مصلحة أميركية مباشرة. والمنطق ذاته يسمح لواشنطن بالخروج من الحرب بسهولة نسبية: إعلان أن الأهداف تحققت — ضرب منشآت، إضعاف البرنامج، أو فرض رقابة دولية — ومن ثم إنهاء العمليات العسكرية من دون الاعتراف بالفشل.
في المقابل تبدو الحسابات الإسرائيلية أكثر وضوحاً. بالنسبة لبنيامين نتنياهو، شكّل وجود ترامب في البيت الأبيض فرصة استراتيجية قد لا تتكرر قريباً: زعيم مستعد لتوفير غطاء سياسي وعسكري واسع لمواجهة إيران. الهدف الإسرائيلي لم يكن مجرد ضرب منشآت نووية، بل تفكيك شبكة النفوذ الإيراني الإقليمي الممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن.
غير أن هذه الاستراتيجية قامت على فرضية مركزية: أن النظام الإيراني قابل للاهتزاز أو الانهيار تحت الضربة الأولى. لكن الأحداث حتى الآن تشير إلى العكس. فقد أظهر النظام الإيراني درجة عالية من التماسك المؤسسي، بينما أدت الضربات الخارجية إلى تعزيز التلاحم الداخلي، وهي ظاهرة معروفة في علم السياسة باسم تأثير الالتفاف حول العلم.
كما أن الرهان على تحريك الأقليات أو الاحتجاجات الشعبية بدا مبالغاً فيه. فالتجارب التاريخية تظهر أن المجتمعات التي تتعرض لهجوم خارجي تميل غالباً إلى تجميد صراعاتها الداخلية مؤقتاً. وهكذا سقط أحد أهم الافتراضات التي قامت عليها الحرب، وبدأت تتحول تدريجياً من مشروع لإسقاط النظام إلى عملية ضغط تفاوضي لتحسين شروط التسوية.
لكن التحول الأكثر أهمية لم يحدث في إيران، بل في لبنان. فالجبهة اللبنانية سرعان ما أصبحت مركز الثقل الحقيقي للصراع. بالنسبة لإسرائيل، يشكل حزب الله التهديد الأكثر مباشرة لأمنها القومي، ولذلك فإن أي حرب إقليمية كبرى تجد طريقها في النهاية إلى الحدود اللبنانية.
قرار حزب الله الدخول في المعركة لا يمكن تفسيره فقط بالتحالف مع إيران، رغم العلاقة العضوية مع الحرس الثوري. فالحزب كان قبل الحرب يواجه ضغوطاً لبنانية ودولية غير مسبوقة لنزع سلاحه، إضافة إلى تراجع في صورته الردعية بعد المواجهات السابقة. في مثل هذه الظروف يصبح الدخول في الحرب خياراً دفاعياً من منظور الحزب نفسه.
فالقوة الأساسية لحزب الله لا تكمن فقط في ترسانته الصاروخية، بل في صورته كقوة ردع وهيبة سياسية. ولو بقي خارج هذه الحرب بينما تتعرض إيران لضربة كبرى، لكان ذلك سيُفسَّر داخلياً وإقليمياً على أنه اعتراف بالضعف.
لكن دخول الحزب الحرب كشف أيضاً نهاية مرحلة طويلة من الغموض الاستراتيجي. فمنذ عقود حاول الجمع بين كونه لاعباً لبنانياً داخلياً وجزءاً من محور إقليمي تقوده إيران. الحرب الحالية أظهرت أن هذا التوازن لم يعد قابلاً للاستمرار.
في الوقت نفسه يدرك الحزب أن هذه الحرب قد تؤدي إلى استنزاف كبير في قدراته العسكرية، خصوصاً مع صعوبة تعويض السلاح بعد التحولات في سوريا وتشديد الرقابة الجوية الإسرائيلية. ولهذا يبدو أنه يتصرف وفق منطق مختلف: تحويل القوة العسكرية إلى رصيد تفاوضي سياسي.
فالدخول في الحرب يضمن له مقعداً على طاولة التسويات المقبلة، بينما كان البقاء خارجها سيعني تهميشه وربما تسريع مسار نزع سلاحه.
وهنا يظهر السؤال الأكثر حساسية حول مستقبل لبنان بعد الحرب. فالنقاش قد لا يقتصر على مسألة السلاح، بل قد يمتد إلى شكل النظام السياسي اللبناني نفسه. فالتاريخ اللبناني يظهر أن الحروب الكبرى غالباً ما تنتهي بإعادة صياغة النظام: من اتفاق القاهرة إلى الطائف.
وفي حال وُضعت مسألة سلاح حزب الله على طاولة تسوية إقليمية، فمن غير الواقعي افتراض أن الحزب سيقبل بتفكيك قوته العسكرية من دون ثمن سياسي كبير. والثمن الأكثر منطقية في نظر كثير من المراقبين قد يكون إعادة صياغة التوازنات السياسية داخل الدولة اللبنانية.
في هذا السيناريو قد يطرح الحزب معادلة مختلفة: الانتقال من شرعية القوة العسكرية إلى شرعية نفوذ سياسي مؤسسي داخل الدولة. وقد يأخذ ذلك أشكالاً متعددة، من تعديلات في توزيع الصلاحيات داخل النظام إلى إعادة تعريف مفهوم الشراكة الوطنية.
المفارقة هنا أن التسوية التي قد تُضعف القدرات العسكرية للحزب قد تؤدي في الوقت نفسه إلى تعزيز موقعه السياسي داخل النظام اللبناني. وهكذا قد تخرج إيران مثخنة اقتصادياً لكنها تثبت قدرتها على الصمود، وقد تعلن الولايات المتحدة تحقيق أهدافها وتنسحب تدريجياً، بينما تحاول إسرائيل تحقيق إنجاز في الجبهة اللبنانية.
في النهاية قد لا تنتهي هذه الحرب بانتصار عسكري حاسم لأي طرف، بل بما يسميه منظّرو العلاقات الدولية توازن الإرهاق: مرحلة يدرك فيها الجميع أن استمرار الحرب أصبح أكثر كلفة من إنهائها.
عندها لن يكون السؤال الحقيقي من انتصر في الحرب، بل من استطاع تحويل نتائجها إلى تسوية تعيد رسم ميزان القوة في المنطقة.
